انه عام الفرص ..بهذه العبارة المثقلة بالدلالات والمعاني والاشارات اللافتة .. بدأ الملك عبدالله الثاني خطابه الذي افتتح به المنتدى الاقتصادي العالمي حول الشرق الاوسط الذي بدأ اعماله يوم امس في البحر الميت.

عام 2007 هو عام الفرص لانهاء العنف وتحقيق السلام وبناء مستقبل اقتصادي اقليمي ولأن الملك يقرأ في كتاب اردني واضح الرؤية والمحتوى والفكرة القائمة على تحديد الابعاد والاهداف والآليات والمقاربات فان جلالته بسط المشهد الاقليمي امام الحضور في هذا المنتدى الذي يحظى باهتمام سياسي ودبلوماسي واعلامي وخصوصا اقتصادياعلى نحو يصعب على احد يريد العمل الجاد والحقيقي لاستغلال الفرص التي تحدث عنها جلالة الملك وترجمتها على ارض الواقع ان يجد مبررا لتردد او تأخير او اعتراضات.

الفترة الحاسمة التي يعقد فيها اجتماع المنتدى هذا العام يؤشر عليها انهماك الدول العربية في جهد رئيسي لتحقيق تسوية عادلة للنزاع العربي الاسرائيلي وقد كان تبني الدول العربية في قمة الرياض التي عقدت في اواخر اذار الماضي لمبادرة السلام العربية بالاجماع مؤشر واضح على جدية العرب في سعيهم لانجاز سلام حقيقي دائم وعادل وايضا في فتحهم نافذة فرص تاريخية لتسوية عادلة تحول دون المزيد من الدمار الذي ينتشر في المنطقة بوضوح..

ولأن المسألة الفلسطينية تداعياتها وملابساتها وراهنها تحتل مرتبة متقدمة على جدول الاعمال الوطني الاردني فإن الملك طرح في وضوح لا يقبل التأويل او التأخير الحاجة الملحة لاحلال السلام لأن غيابه ادى الى تمزيق اوصال الحياة الفلسطينية تماما كما اسهمت في ذلك ظروف الاحتلال - ويمكن ان نلحظ ذلك في حال البطالة المرتفعة التي تميز حياة اكثر من ثلثي الباحثين عن العمل والفقروسوء التغذية والاحباط والتوجه نحو التطرف ..

السلام اذا هو الهدف النبيل الذي تكرس الدبلوماسية الاردنية جهودها وما تتمتع به من صدقية واحترام على الساحة الدولية من اجل بناء الزخم الضروري لايجاد تسوية سلمية يرنو اليها الفلسطينيون والاسرائيليون على حد سواء وخصوصا بعد ان توفرت ارادة عالمية جديدة لحل الازمة حيث تجاوزت المشكلة الحدود الاقليمية لتصبح بامتياز على جدول الاعمال الدولي ما يؤكد في جملة ما يؤكد ان النجاح في تحقيق السلام سيكون في مصلحة المنطقة بمجملها وخصوصا في مصلحة العالم ..

رؤية الملك للمشهد الاقليمي بكل تعقيداته واحتمالاته تلحظ اليوم التالي لتحقيق السلام ولهذا جاء سؤال جلالته لافتا في معناه ودلالاته لأن السلام كهدف سام ونبيل يحتاج الى جهوزية عالية لليوم الذي يلي تلك اللحظة التاريخية .. ما يعني ان على شعوب هذه المنطقة ان تكون جاهزة لهذا اليوم الذي هو بداية مرحلة جديدة بآمالها وطموحاتها وبالتالي يفرض تجهيز الخطط اللاحقة لتحقيق مزايا السلام والبناء عليها وهي خطط يفترض ان تلحظ بوضوح ما تتوفر عليه من امكانات وقدرات وتتصرف وفقها .

القراءة الملكية مفعمة بالتفاؤل وتراهن على هذه الامكانات والارادات والابداعات التي تحوزها المنطقة العربية حيث هي بسكانها ''325 مليون نسمة'' اكبر مساحة من اوروبا وكذلك من كندا والصين والولايات المتحدة ما يعني ليس فقط امكانية ان تتمتع شعوب الشرق الاوسط بالمزايا ومستويات المعيشة التي تتمتع بها هذه المناطق بل يجب ان تتمتع بذلك وخصوصا اذا ما ذهبنا ''في الشرق الاوسط'' الى السير على خطى الصين والهند والدول الاخرى التي عاشت الفقر لكنها اتخذت قرارات شجاعة وصعبة في مسيرة طموحة ارتكزت على تنمية القطاع الخاص والعولمة ما اسهم في خفض نسبة الفقر وخلق الفرص.

واذ يراهن الملك على الاجيال الشابة فان جلالته دعا الى ايلاء هذه الفئة العمرية الاكبر في المنطقة العربية الاهمية التي تستحقها وخصوصا في توفير التعليم الجيد والعمل الذي يملأ النفس بالرضى ويحقق الذات في الوقت نفسه الذي يدرك فيه بلدنا ان تلبية توقعات الشباب تمثل تحديا نعمل نحن في الاردن على الارتقاء لمستوى هذا التحدي.

ولعل ما حفل به خطاب جلالته من اشارات الى طبيعة التحديات الاكثر الحاحا في منطقتنا وهي الماء والبيئة والبنى التحتية بما تفرضه من اكلاف واستحقاقات وما توجبه من خطط واستثمارات وعمل جاد ودؤوب تعكس في شكل واضح رغبة جلالته في توظيف وتكريس كل الطاقات والامكانات والارادات للتصدي لهذه التحديات بنجاح وبخاصة ان النجاح فيها هو اشارة على قدرتنا على تحقيق السلام.

جملة القول ان الملك وضع هذه النخبة المتميزة في مواقعها وادوارها وقدراتها وتأثيراتها في صناعة القرار على اكثر من مستوى امام مسؤولياتها الاخلاقية والسياسية والقانونية والانسانية إن لجهة التفكير في السلام لا كنهاية للنزاع ولكن كبداية فرص جديدة للناس في هذه المنطقة ام لجهة ترجمة القوة التي يتوفرون عليها لتحويل رؤية المستقبل المشرق لهذه المنطقة من العالم الى حقيقة واقعة .. ما يفرض بالتالي ان لا نجعل المستقبل ينتظر سواء انتظار اوراق حتى توقع وحبرا حتى يجف ام انتظار دول اخرى كي تقدم المساعدات ..

الملك وضع المسألة في شكل لا يقبل التأويل او القراءة المغايرة .. نحن - كمنطقة كاملة - يمكننا ان نعمل على ايجاد المستقبل الذي نختار. في الاطار هذا جاءت اشارة جلالته الى ان السلام ليس سهلا لكنه في متناول اليد لتؤكد على المعاني العظيمة التي ينطوي عليها الانحياز للحوار وثقافة السلام وحل الخلافات بالطرق السلمية.