تفضح التطورات المتلاحقة التي تشهدها الأرض العربية، والمشرق منها بشكل خاص، عجز القيادات السياسية وتخلفها، والأخطر استهانتها بدماء الشعوب التي تتصدى لتزعّمها بالشعارات التي كانت تجسد ـ ذات يوم ـ أمانيها في الحرية والاستقلال والديموقراطية و... الوحدة! لكأنما أصاب الشبق إلى السلطة، ولو مغسولة بالدم، هذه القيادات فأعماها وجعلها تستهين بحياة المواطنين، فضلاً عن حقوقهم في وطنهم، ومستقبل أجيالهم الجديدة فيه.
لم تعد هذه القـيـادات لتمـيز بين العــدو والصـديق.. بل هي لم تعد تتــورع عن الاســتعانة بالعدو على أهلها. ولم تعد لتتوقف متهيبة من أن تتهم في وطنيتها، ربما لافتراضها ان عصر الوطنية والقومية والعروبة قد انصرم وانتهى إلى غير رجعة... وفي حالات كثيرة نراها شريكة، بالمصلحة المباشرة أو بالافادة اللاحقة، للاحتلال، أميركياً كما في العراق الجريح، أو إسرائيلياً كما في فلسطين المشلّعة مِزقاً، والتي لا تتورع الفصائل المشتبكة حول «الســلطة» التي لا تملك من أمرها شــيئاً عن اســتدراج العدو للتدخل، وكأنه نصير بعضها ضد البعض الآخر.
... وفي لبنان، ترافع معظم هذه القيادات في السيادة والاستقلال والديموقراطية، بينما الانشقاق الوطني العام يوسع مساحة التدخل أمام القوى الأجنبية، على مدار الساعة، ويهيئ الأرض لحريق ينذر بالفتنة... لكن الشبق إلى السلطة، ولو بتراء، ومطعوناً في شرعيتها وفي صحة تمثيلها، يعميها عن حقيقة انها لن تكون أكثر من أدوات لمخططات يرسمها الأجنبي لمصالحه، فإذا اقتضت هذه المصالح أن يتخلى عن بعضها فإنه سيرميها بلا شفقة «ليستقل» بالهيمنة على البلاد والعباد. بلا شريك!
والإنقاذ، أو منع الكارثة، لن يكون إلا بالوحدة الوطنية. والوحدة الوطنية على مدى الذراع في لبنان، وهي قد تكون أبعد في فلسطين المنحورة بسلاح فصائلها، أما في العراق الممزق كيانه فقد تحتاج جيلاً أو أكثر. وأكرم لهذه القيادات في لبنان ان تعود إلى وعيها فترحم أهلها، وتحمي مستقبلها، قبل ان يجبرها الأجنبي ذاته على مصالحة كان يمكن ان تحفظ وطنها وتحفظها فيه. وكم من «السلطات» قد أضاعت أوطانها!