تستطيع إسرائيل استخدام آلة الحرب الهائلة التي بحوزتها، بما في ذلك سلاح الجو الأميركي الصنع والمنشأ، في حرب الإبادة التي تمارسها ضد الشعب الفلسطيني وهي مطمئنة إلى أن أحداً لن يتحرك انتصاراً لشعب يذبح في وضح النهار، ودون أن يتجرأ أحد في العالم ويقول لها «ما أحلى الكحل في عينك»!!
ومَنْ سيتحرك أصلاً في وجه إسرائيل وعدوانها وإرهابها؟.. هل نتوقع قراراً ملزماً من مجلس الأمن الدولي يدعوها إلى وقف عملياتها العسكرية ضد الأطفال والنساء في غزة وجنين وغيرهما من المدن والقرى والبلدات الفلسطينية المستباحة؟!
بالعودة إلى سجل الأمم المتحدة الحافل بالقرارات «القوية في لهجتها» لا نجد قراراً واحداً يستند إلى الفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية، فكل القرارات جاءت إما لتطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها بالعدوان (1967 ـ 1974 ـ 1982) أو لتعلن رفضها لإجراءات التهويد في القدس والجولان وبقية الأراضي العربية الرازحة تحت الاحتلال الإسرائيلي.
لم يصدر قرار ملزم ضد إسرائيل أبداً مع أن العالم أجمع يعترف بأن ما قامت وتقوم به إسرائيل هو عدوان صارخ على دول مستقلة منضوية تحت لواء الأمم المتحدة، وأن هناك احتلالاً لأراض عربية، وأن هناك أيضاً انتهاكات فاضحة ووقحة لنصوص ميثاق الأمم المتحدة.
لم يخلق الفصل السابع لإسرائيل؛ بل أوجدوه ضد العرب حصراً، وجعلوه سيفاً مسلطاً على رقاب العرب وعصا غليظة يهددون بها الدول العربية التي تعترض على السياسات الأميركية وترفض مشاريع الهيمنة والتسلّط والاستعمار الحديث ووضع اليد على مقدرات الشعب العربي.
الفصل السابع يصلح للعراق، ويصلح للتدخل في شؤون لبنان الداخلية، وفي شؤون العرب، كل العرب، لكنه لايصلح ضد إرهاب إسرائيل وعدوانيتها.
يوظفون هذا الفصل في بحثهم عن قَتَلَة شخص واحد؛ لكنهم يمنعون الأمم المتحدة من إصدار قرار واحد، ومن دون الاستناد إلى هذا الفصل، يوجّه الإدانة لإسرائيل وممارساتها، وإجرامها الذي يذهب ضحيته مئات الأشخاص.
تستطيع إسرائيل أن تطمئن.. فلن يتحرك مجلس الأمن الدولي ضدها مادام هناك قوة عظمى لم تعد تكتفي باستخدام ال÷يتو ضد مشاريع القرارات التي توجّه اللوم لإسرائيل، بل أضحت تمنع انعقاد المجلس لهذا الغرض، وفي أفضل الحالات ينعقد رفعاً للعتب، ويصدر بياناً رئاسياً لطيف العبارات يتمنى على إسرائيل عدم استخدام «القوة المفرطة» ضد الفلسطينيين والعرب!
يبدو أن صور المجازر البشعة التي ترتكبها إسرائيل، وصور الأطفال والنساء تحت الأنقاض، وصور أشلاء الضحايا، لا تصل الى أروقة الأمم المتحدة، وليس مسموحاً لها أن تصل.. وكل ما هو مطلوب تبرير الإرهاب الإسرائيلي تحت عبارة مقززة مكرورة، اخترعتها إسرائيل والإدارات الأميركية تقول: «ما تقوم به إسرائيل دفاع مشروع عن النفس ضد الإرهابيين»!!.
الإرهابيون ـ في العرف الأميركي ـ الإسرائيلي ـ هم الفلسطينيون بمن فيهم الأطفال والأجنّة في أرحام أمهاتهم. هذه هي مصطلحات العصر الأميركي: الإرهاب صار بطولةً ودفاعاً عن النفس وسعياً من أجل السلام!.. والمقاومة دفاعاً عن الأرض والوطن والحرية والاستقلال، أضحت إرهاباً يستوجب استخدام أسلحة الدمار والإبادة ضد شعب آمن برجاله وشيوخه ونسائه وأطفاله.
مصطلحات العصر الأميركي تضع الدول الرافضة لسياسات استعمارية بامتياز في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتمارس ضد هذه الدول شتّى صنوف الضغوطات والتهديدات والعقوبات والحصار والعزل، أما من يمارس الإرهاب الحقيقي فإنّه يحصل على شهادات حسن سلوك ويتلقى دعماً مادياً وعسكرياً ومعنوياً هائلاً، ويجد مظلّة دولية تحميه من المساءلة.
لا نستغرب ذلك أبداً.. فمن أباد ملايين البشر بدءاً من الهنود الحمر وحتى يومنا هذا، ومن استخدم القنبلة الذرية لتدمير المدن، والصواريخ العابرة للقارات في أفغانستان والعراق، لا يخجل عندما يدعم من يمارس الأساليب نفسها ضد الآمنين والأبرياء.
وسورية التي كانت على الدوام مدافعاً صلباً عن قضية فلسطين، إذ تدين بأشدّ العبارات هذا الإرهاب الإسرائيلي المدعوم أميركياً، تدعو الإخوة الفلسطينيين إلى نبذ الخلافات والتمسك بالوحدة الوطنية والحكومة المنبثقة عنها. فإسرائيل تستهدفهم جميعاً، وصواريخها وطائراتها لا تميّز بين من ينتمي إلى «حماس» ومن ينتمي إلى «فتح».. وإذا لم يتوحّد الفلسطينيون اليوم أمام هذا العدوان فمتى يفعلون.؟!