جاء فوز مصر( باكتساح) بعضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ليمثل ردا مفحما على الموتورين دعاة التشويه والتشويش والصخب الفارغ, وليس جديدا الحديث عن دور مصر المهم, سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو في قارتها الإفريقية, فهذا أمر من قبيل البديهيات المؤكدة والمسلمات المفروغ منها.. لكن الأهمية هنا.
فيما يتعلق باختيار مصر لهذا المجلس الدولي المرموق- هي أن العالم ينظر إلينا في مصر بطريقة تختلف تماما عما ينظر به بعض أبناء مصر إليها, هم في الخارج يعرفون مدى الجهد المبذول في مصر لتحقيق احترام حقوق الانسان, ويدركون مدى التقدم الذي تم خلال العامين الماضيين.. لكن البعض هنا يأبى إلا أن يرتدي نظارته السوداء وهو يحكم على الأمور. وهنا علينا أن نشير إلى عدة حقائق يتعمد البعض نسيانها في هذا الشأن:
أولا: أن موضوع حقوق الإنسان هو موضوع عريض ومتشعب ويمتد ليشمل كل أوجه الحياة تقريبا, فهناك الحقوق السياسية والاقتصادية والدينية والثقافية والاجتماعية.. وهناك حقوق المرأة والطفل والشباب والرجال.. وهناك حقوق الأقليات في مواجهة الأغلبية, وأيضا التزامات الأقلية إزاء الأغلبية! وهناك موضوع الحريات بكل تجلياتها وأنواعها, وبالتالي فإن الموضوع أكبر من مجرد اختزاله في حادث اعتداء هنا أو جريمة تعذيب هناك!.
وثانيا: أن النظرة لقضايا حقوق الإنسان تختلف باختلاف المجتمعات والثقافة والتاريخ والنشأة والتربية والدين وغيرها, فمثلا ما يعد اعتداء على حقوق الإنسان في مجتمع قد لا يعتبر اعتداء عليها في مجتمع آخر, وعلى سبيل المثال الحريات الجنسية, إنك في مجتمع عربي مسلم لا يمكنك أن تطالب بممارسة الحب في الحدائق العامة بحجة أن هذا باب من أبواب الحريات الشخصية لا يجب أن يمس, بينما في بعض المجتمعات الغربية يمكن السماح بهذه الممارسات, وبالتالي فإن معايير حقوق الإنسان تختلف من مجتمع لآخر, ويجب احترام ما يريده مجموع الناس في هذا المجتمع أو ذاك.
وثالثا: أن المجتمعات تختلف فيما بينها في فهمها للديمقراطية ووسائل تطبيقها وأهدافها والثقافة المتعلقة بها, وعلى ذلك فإنك لا يمكن أن تطالب كل مجتمعات العالم بأن تكون مثل أمريكا أو انجلترا أو فرنسا.. هذا مستحيل!.
رابعا: أن التدرج في تطبيق الإصلاح- حتى في قضايا حقوق الإنسان- هو أمر ضروري جدا حتي لا تتحول الحياة إلى فوضى, إن الحرية رغم كونها أساس حياة الإنسان وبدونها لا يمكن أن يعيش تحتاج هي أيضا إلي التنظيم والتقنين, بما في ذلك حقوق الإنسان نفسها!.
وخامسا: يبقي الحديث عن موضوع المعاملة في أقسام الشرطة والتعذيب والانتهاكات, والحقيقة أن هذا يحدث, لكن بأي حجم؟ وهل هي ظاهرة أم أخطاء فردية؟ وهل هناك جهود يتم بذلها للحد من الأخطاء أم لا؟, وهل مصر تحقق تقدما في العلاج أم لا؟ وما نسبة هذه الانتهاكات قياسا إلي بقية دول العالم؟ إننا لا نريد التهوين, لكننا أيضا يجب أن ننبه إلى خطورة التهويل حتى لا ننزلق إلي مصيدة جلد الذات, والعقد النفسية, ومن ثم يستعصي العلاج!.
إن اختيار مصر لعضوية هذا المجلس المهم فرصة للإجابة علي هذه الأسئلة حتى يتسني لنا الفهم الصحيح للأمور.. وإذا كان العالم ينظر إلينا نظرة تقدير واحترام فلماذا نقلل نحن من قدر أنفسنا؟.