على أعتاب انعقاد قمة روسيا ـ الاتحاد الأوروبي، أعلن خافيير سولانا أن اوروبا ليست مستعدة لبدء الحوار حول اتفاقية التعاون والشراكة الجديدة بين الجانبين خلال هذه القمة، مشيرا إلى انه لابد من التوصل لحلول للمشاكل المثارة بسبب القرار الذي اتخذته السلطات الروسية عام 2005، والخاص بفرض حظر على استيراد اللحوم البولندية. وتجدر الإشارة إلى أن اتفاقية الشراكة والتعاون بين روسيا وأوروبا التي وقعت عام 1997 سينتهي مفعولها في أوائل ديسمبر من العام الحالي.

ولم تمض شهور على قمة هلسنكي عام 2006، التي تفجر فيها الخلاف الروسي ـ الأوروبي، حتى تبين أيضا أن الخلاف بين روسيا وأوروبا قد بدأ يحتدم حول اتفاقية اخرى وهي اتفاقية تقليص الأسلحة التقليدية في أوروبا، وبعد أن كانت الانتقادات الروسية تقتصر على التهديد بتجميد الاتفاقية اذا لم تستجب أوروبا لمطالب موسكو، طالب الرئيس بوتين المشرعين بالمصادقة على انسحاب روسيا من معاهدة الحد من القوات التقليدية في أوروبا، وهو ما اعتبر من قبل العديد من المحللين موقفا متوقعا ومفهوما، لأنه يحرر موسكو من اية التزامات دولية لتأمين حماية حدودها، في مواجهة خطط الولايات المتحدة لنشر درعها الصاروخي في شرق أوروبا، إضافة إلى أن هذا المعاهدة بعد تحول أغلبية أعضاء حلف وارسو إلى أعضاء في حلف الناتو، أصبحت تتعامل مع توازن لم يعد له وجود.

وفي خضم هذه الخلافات عاد ملف اقليم كالينينجراد الذي لم يجد حلولا واقعية في الحوار الروسي الأوروبي، فمازال هذا الإقليم معزولا عن السيادة الروسية، بل وتحول إلى جزيرة روسية محاطة بالدول الأوروبية، ومازالت موسكو تعاني من امكانية عدم التوصل مع أوروبا لأتفاقية تضمن حرية التنقل من والى هذا الأقليم الروسي.

ويمكن القول ان العلاقات الروسية ـ الأوروبية تمر بأسوأ مراحلها. وبات واضحا أن الصلات الروسية ـ الأوروبية التي كان يحلو للعديد من السياسيين وصفها بالعلاقات الاستراتيجية، تعاني من تباين واختلاف في التوجهات والمصالح.

بدأ توتر العلاقات الروسية ـ الأوروبية يظهر للعلن منذ ازمة الغاز الأوكراني، التي أثارت قلق أوروبا حول امكانية استغلال روسيا للطاقة كأداة للضغط على بعض الحكومات ـ بما يعنيه ذلك من عدم استقرار وانتظام امداد الدول الأوروبية بالغاز الروسي ـ بعد أن تعثرت مساعيها في إيجاد لغة حوار مشتركة مع اطراف الأسرة الأوروبية. وإذا كانت موسكو قد سعت لنفي هذا الأتهام واعتبرته ظالما وغير واقعي، إلا أن بعض الأطراف الأوروبية مازالت تشكك في النوايا الروسية، وهو ما دفع موسكو للحديث عن تصنيفات للساحة الأوروبية بين اوروبا القديمة واوروبا الجديدة التي تضم دول أوروبا الشرقية. وجاءت تحذيرات ليتوانيا واستونيا باستخدام الفيتو ضد توقيع اتفاقية التعاون والشراكة بين روسيا واوروبا لتؤكد صحة هذا التصنيف.

واذا كان تأجيل البت في مصير اتفاقية الشراكة والتعاون بين الاتحاد الأوروبي وروسيا نتيجة لاعتراضات بولندا التي تتزعم فريق اوروبا الجديدة لا يحقق المصالح الأوروبية والروسية. فإن تجاهل الشريك الأوروبي لمطالب روسيا بتعديل معاهدة الحد من انتشار الأسلحة التقليدية في اروربا (الذي يعود لأكثر من عامين)لا يخدم مصالح هذا التعاون. ويبدو أن الدوائر السياسية الغربية لا ترى أية خطورة في انسحاب روسيا من معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا، باعتبار أن مساعي روسيا لتحقيق توازن عسكري على مستوى أوروبا سيتطلب جهود نفقات كبيرة.

مما يدفع العديد من المحللين للاعتقاد بأن مصير معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا نفس مصير معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ، التي انسحبت منها واشنطن في عام 2002، نفس العام الذي شهد الاتفاق على تعديل معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا، والذي عقدت فيه ايضا قمة الناتو التي أقرت توسيع الحلف شرقا بضم دول اوروبا الشرقية لعضوية الناتو.

ولعل مصدر هذا الخلل يعود إلى قناعات الغرب بإمكانية فرض شروط وصياغة توجهات روسيا وفق المصالح الأوروبية، استنادا إلى الفكرة التي سيطرت في بداية التسعينات على سياسة موسكو الخارجية والتي افترضت ان روسيا جزء من الأسرة الأوروبية، وستلعب دورا في إعادة صياغة البيت الأوروبي. مما دفع البعض للأعتقاد بأنه في سبيل تحقيق ذلك ستقدم موسكو كافة التنازلات المطلوبة، خاصة بعد تسبب هذا التوجه في تردي علاقات موسكو مع العالم العربي، وتراجع حجم التعاون ومعدلات التبادل التجاري إلى مستوى متدن للغاية.

وأسفر تمسك موسكو آنذاك بهذه التوجهات اضافة إلى سيادة مفهوم جديد في التعامل مع الأسواق التقليدية لروسيا يرفض سياسة الصفقات المتكافئة، ووضع مصالحها الاقتصادية في المنطقة مقابل السيولة المالية والسداد الفوري لكافة الصفقات إلى أزاحة للمؤسسات الروسية من الأسواق العربية، واستبدالها بشركات أوروبية او أميركية. مما وضع الاقتصاد الروسي في مآزق من جراء هذا الحصار، وبدأت المؤسسات الروسية تبحث عن أسواق، بعد أن فقدت المنتجات الروسية اغلب اسواقها، وتحولت روسيا نفسها إلى سوق للمنتجات الأوروبية. بل وبدأت تواجه ضغوطاً من جانب الغرب لتقديم تنازلات لفتح اسواقها مقابل قبول عضويتها في منظمة التجارة العالمية.

وبعد تولي بوتين رئاسة روسيا، بدأ الكرملين يعيد النظر في توجهات المرحلة الانتقالية من نظام الاقتصاد المخطط إلى علاقات السوق الحر، وكان لابد من اعادة صياغة السياسات الاقتصادية بما يخدم وينهض بالمنتج الروسي، وما يتطلبه ذلك من استعادة لأسواقه ومناطق نفوذه. ووفق هذا المنظور واجهت العلاقات الروسية ـ الأوروبية مراحل مختلفة من المد والجزر.

وتمكنت روسيا من استعادة بعض مواقعها باعتبارها من أهم موردي الطاقة للأسواق العالمية، وأثمرت جولة بوتين الأخيرة في دول وسط آسيا عن اتفاقات تعاون في قطاع الغاز وتخصيب اليورانيوم مع تركمانيا وكازاخستان ووطدت نفوذ موسكو في أسواق الطاقة في العالم، لذا كان من المتوقع أن ترفض روسيا العرض الأوروبي الذي يضعها ضمن اطر وحدود لا تتجاوب مع مصالحها الاقتصادية، بل ويهدد بتدمير قاعدتها الصناعية التي مازالت تعاني من أزمات عميقة.

ان الوضع القائم يعبر عن تطور طبيعي للعلاقات بين اوروبا وروسيا في ظل تنامي القدرات الاقتصادية الروسية، هذا النمو الذي يمنحها حق استعادة نفوذها ومصالحها. وهو بالتأكيد لن يتم بهدوء وبتراضي الأطراف، لأنه سيؤدي لانتزاع روسيا لمواقع تسعى أطراف اخرى للسيطرة عليها واستثمارها.

ويعتقد المحللون أن التطورات الأخيرة تشير إلى عودة الحرب الباردة بين الغرب والشرق، والرد على هذه الرؤية يأتى من خلال تساؤل حول امكانية انتهاء الحرب الباردة على مواقع النفوذ والأسواق، في الوقت الذي تفرض قوانين السوق الحر التنافس بين اللاعبين في الأسواق العالمية على زيادة ارباح شركاتهم، وتلتزم الحكومات بحماية مصالح مؤسساتها الاقتصادية الوطنية، بل وبالسعي لاقتطاع أجزاء من الأسواق لحساب شركاتها. انه صراع ضار لحماية وتوسع النفوذ والأسواق، ولا ينتهي إلا بنهاية احد أطرافه، وهذا هو الفرق بين الحرب الباردة في القرن الماضي التي كانت بين نظامين مختلفين، والحرب الباردة اليوم التي تحتدم بين الأطراف المتنافسة في السوق.

ولابد من القول ان تجاوز حالة التوتر واحتدام الصراع يمكن أن يتم عبر ايجاد تسويات، تراعي مصالح كل الأطراف، ولعل أوروبا اليوم هي المعنية بإيجاد تسوية ترضي الشريك الروسي، إذا توفر الحرص لدى الأوساط الأوروبية على تعاون مثمر في قطاع الطاقة، وفى إطار حماية مصالحها من الزحف الأميركي الذي يهدد مصالحها في العديد من مناطق العالم.

مركز دراسات الطاقة ـ روسيا