يلخص تفاقم الاتهامات الموجهة إسرائيلياً للنائب العربي عزمي بشارة حالة الهلع التي أصيبت بها الدولة العبرية الصهيونية، جراء تعاظم الحراك السياسي والكفاحي العربي داخل فلسطين المحتلة عام 1948، والتوالد المضطرد لفكرة الدولة الديمقراطية لدى قطاعات من الفلسطينيين داخل حدود 1948، في ظل التمايز القومي والطبقي الموجودة في إسرائيل بين سكان الدولة العبرية، بين اليهود وبين العرب أصحاب الوطن الأصليين.
ومع أن الفكرة المتعلقة بالحل الديمقراطي ظهرت في الماضي القريب، إلا أنها تظهر الآن في سياسات ورؤية غالبية الأحزاب العربية في إسرائيل، حيث لعب عضو الكنيست وزعيم التيار العروبي في فلسطين المحتلة عام 1948 عزمي بشارة دوراً كبيراً في رفع لواء الفكرة. وفي واقع الحال، بدأ انبعاث فكرة الدولة الديمقراطية داخل الجزء المحتل من فلسطين عام 1948منذ العام 1959 مع تأسيس مجموعة الأرض بقيادة كل من حبيب قهوجي، صبري جريس، صالح برانسي، وعلي الرافع، محمد عبدالحميد ميعاري، ومنصور كردوش. وفي حينها.
والآن، تظهر الأفكار منظمة، بأسماء مختلفة، من قبل جهات عدة عربية فلسطينية داخل الأراضي المحتلة عام 1948، حيث تعلن في واقع الأمر طموحاً مشروعاً من أجل الدولة الديمقراطية على كامل تراب فلسطين. والأفكار اياها تجسدها: اللجنة القطرية العربية، ومنظمة «عدالة»، التي هي المركز القانوني من اجل حقوق «عرب إسرائيل» وهي الجهة الفلسطينية التي تعقد صلات وثيقة بالمنظمات الدولية المختلفة، وتسمى وثيقتها بـ «الدستور الديمقراطي». ومنظمة «مساواة»، التي هي مركز لحقوق المواطنين العرب في «إسرائيل» وتسمى وثيقتها التي كتبها يوسف جبارين بـ «الدستور مساواة للجميع».
وجمعية اتجاه، وجمعية الجليل، وجمعية الثقافة العربية، والجمعية العربية لحقوق الإنسان، ومجموعة «ميثاق حيفا». ولا ننسى أن «الحركة الإسلامية» التي يقودها الشيخ رائد صلاح تطرح رؤية تقوم على مفهوم الدولة الإسلامية. وفي الواقع يمكن القول بأن اللجنة القطرية للسلطات العربية ولجنة متابعة «عرب إسرائيل» بوثيقتها المسماة «الرؤيا» تخوض غمار صراع كبير مع السلطات الإسرائيلية من أجل حق الفلسطينيين فوق أرضهم، وتعتبر ورقة «النقاط العشر» و«الرؤية المستقبلية» واقتراح الدستور و«ميثاق حيفا»، وثائق ترتقي إلى مستوى النظرية الايديولوجية والسياسية الكاملة التي تتحدى طابع دولة إسرائيل الحالي - رؤيتها لنفسها وتركيبة نظامها وهويتها الصهيونية.
في الواقع تضع هذه الوثائق البنية الفكرية لتطوير الكفاح الوطني الفلسطيني داخل مناطق 1948. ان «وثيقة الرؤيا» العربية داخل فلسطين 1948، تدعو القادة العرب إلى فتح «ملف 1948» من جديد، والى التمسك بحق عودة لاجئي 1948، وإعادة الأملاك العربية، وإعادة بناء القرى المهجرة وتحقيق الحق القومي للشعب الفلسطيني على أرض وطنه التاريخي في مساواة تامة بين الجميع على أساس الحل الديمقراطي. وعليه، ان توالد فكرة الدولة الديمقراطية، لم يكن وليد لحظات مستجدة، بل جاء في سياق مستمر من التحول على أنقاض نكبة عام 1948، وبرز هذا التحول بشكل مميز أثناء هبة يوم الأرض 30 مارس 1976 في الناصرة وسخنين وأم الفحم، وغيرهم .
وإضافة إلى هذا، ولحسن الحظ، فإن الفكرة إياها اكتسبت المزيد من مفاعيل القوة والاندفاع بسبب من السلوك السياسي والاجتماعي وتواصل التمييز الطبقي للأغلبية اليهودية الصهيونية الرسمية الحكومية والحزبية عن العرب أصحاب الوطن الأصليين، والغياب شبه الكامل لهموم ومتطلبات الجماهير العربية في برامج هذه الأحزاب، فضلاً عن اتجاه عام تدفع به الحالة المجتمعية اليهودية التي تصرفت مع العرب داخل حدود الدولة العبرية بمنطق اللامساواة في أي من مجالات الحياة «منطق أولاد الجارية!».
لقد تصاعدت موجة التحريض وامتدت من يسار الخارطة السياسية الإسرائيلية إلى يمينيها، وتناوب أقطاب اليمين العنصري المتطرف التحريض ضد النائب عزمي بشارة، وجددت قوى التحريض الصهيونية دعواتها بالمطالبة بإعلان بشارة الولاء لإسرائيل كدولة يهودية والا فإن ملف الاتهامات موجود ضده.
على كل حال، التجمع العربي الفلسطيني في مناطق الـ 48 تحول من كتل بشرية أرادوها كتلاً صفرية مهملة، لا علاقة لها بمعادلة الصراع الدائر في المنطقة مع الغزو الاستيطاني الاحلالي (إحلال يهود بديل العرب في الأرض والعمل الخاص والعام) إلى مواقع قوة مهمة في الخارطة الوطنية والقومية للفلسطينيين، بدور يتنامى في عملية توحيد كل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات.
إن تداخل الوقائع وتزاحمها، داخل مناطق الـ 48 يؤشر إلى عوامل مهمة تتغذى منها عملية اليقظة القومية النامية في صفوف فلسطينيي الـ 48 ويؤشر إلى شعور طاغٍ بالدعوة للحل الديمقراطي المنادي بتحويل الدولة العبرية اليهودية من دولة اليهود إلى دولة كل مواطنيها (يهود + عرب) وإدامة أشكال الحراك المفتوح للوصول إلى حلول ناجزة وتاريخية للجميع على كامل أرض فلسطين الانتدابية بدولة ديمقراطية موحدة.