«هذه الحرب خاسرة». هكذا كان تعليق السيناتور هاري ريد، زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ. روح التشاؤم هذه تجاه الحرب في العراق شائعة على نحو كبير بين زملائه من الديمقراطيين. غير أن عددا كبيرا من هؤلاء الشيوخ الذين تحولوا إلى حمائم ليسوا أمناء مع أنفسهم بشأن السبب الذي من أجله غيروا موقفهم بشكل جذري تجاه الحرب.
معظم مرشحي الرئاسة الجادين من الديمقراطيين مثل هيلاري كلينتون وجو بيدن وكريستوفر دود والسيناتور السابق جوناثان إدواردز أيدوا حرب العراق بمجرد أن جرى انتخابهم. السيناتور باراك أوباما لم يؤيد الحرب وقتها. ولكنه لم يكن في ذلك الوقت عضوا في مجلس الشيوخ. الآن يجد هؤلاء المؤيدون السابقون لحرب العراق أنفسهم تحت ضغط قاعدة ديمقراطية تطالب باعتذار. إدواردز هو الوحيد الذي قال إنه يشعر بالأسف بسبب تصويته لمصلحة الحرب، ولكن إذا كان الحزب الديمقراطي كله الآن معارضاً للحرب، فإنه أيضا من المفهوم لماذا لا يستطيع الحزب حتى الآن إيجاد مرشح رئاسي واحد ذي ثقل كان موجودا في الكونغرس عندما كان يحاول الحزب وقف الغزو.
فعلى الرغم من كل شيء فإن الديمقراطيين الذين لديهم شعور بالمسؤولية والذين كانوا في وظائف رسمية ظلوا مقتنعين لمدة ثماني سنوات أثناء عهد كلينتون ولمدة سنتين أثناء حكم بوش بأن صدام حسين كان يمثل تهديدا تقليديا وإرهابيا على الولايات المتحدة الأميركية وعلى حلفائها الإقليميين. معظم من هم في الكونغرس كانوا قد اتفقوا على أن صدام حسين كان مجرما قاتلا ارتكب مذابح جماعية. وكان يعلمون أنه كان يستخدم أموال النفط في شراء أسلحة خطيرة. وكلهم كان لديهم الشعور بأن وحشيته لا يمكن التسامح معها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وكانوا جميعا على علم بأن صدام كان يمنح أموالا لتنفيذ عمليات انتحارية وكان يأوي أشخاصا على شاكلة أبو نضال.
بعبارة أخرى، فإن الديمقراطيين مثل غالبية المسؤولين وقتها، كانوا يريدون خلع صدام لأسباب عديدة كانت مخاوف امتلاكه أسلحة دمار شامل تمثل إحداها فقط. فضلا عن ذلك، فقد كان مدير «سي آي إيه» جورج تينيت، الذي كان قد عينه كلينتون، هو الشخص الذي أمد كلاً من الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس بقدر كبير من المعلومات الاستخبارية التي كانوا قد استخدموها بعد ذلك من أجل اتخاذ قرار بمهاجمة صدام عسكريا، وعندما صوّت الجمهوريون والديمقراطيون في الكونغرس لمصلحة قرار الحرب، كان لديهم 23 سببا رسميا. وحتى الآن فإن السبب المرتبط بمخاوف امتلاكه أسلحة دمار شامل هو الوحيد الذي ثبت خطؤه، ولكننا لم نعد نسمع عن تلك الأسباب العديدة التي أيد من أجلها الديمقراطيون عملية خلع صدام.
وبدلا من ذلك فإنهم يدّعون الآن أنهم قد تعرضوا للخداع على أيدي مجموعة من المحافظين الجدد المتعطشين للحرب الذين ساقوا لهم تقارير مبالغ فيها تخدم أغراضهم الحزبية. ليس من الخطأ أن يغير المرء رأيه لاسيما في أمور بحجم خطورة الحروب، غير أن الشعب على الأقل يستحق أن يقدم له تفسير عن هذا التحول الجذري في المواقف، إذاً فلماذا لا يكونون صادقين مع أنفسهم ويعلنون سبب تغيير آرائهم؟
عدد كبير من الديمقراطيين يتصورون أن إدعاءهم أنهم قد تعرضوا للخيانة على يد بوش والمحافظين الجدد هو أمر قد يُقبل بشكل أفضل من قبل الشعب من أن يعترفوا بأن السبب في تغيير آرائهم هو انخفاض معنوياتهم بسبب الأخبار التي تأتي من على الجبهة، وآخرون قد يخشون من أن الاعتراف بشكل علني بأن أميركا التي تحطمت روحها المعنوية لا تستطيع استكمال ما بدأته من حرب ـ هذا الاعتراف قد يرسل برسالة خطيرة لأعدائنا. ومن ثم فإنه في الوقت الذي يتهم فيه الديمقراطيون الرئيس بوش بالعناد بشأن قضية العراق، فإنهم لا يزالوا خائفين من أن يتسبب اعترافهم الرسمي بالخطأ في إرسال رسالة للخارج تعني أنهم لا يتمتعون بالاستقامة الكافية.
الديمقراطيون بحاجة إلى أن يعترفوا بالحقيقة التي تفيد بأن خلع صدام حسين وإقامة دولة ديمقراطية في العراق بدا فكرة جيدة لهم في 2003-2004 عندما كانت التكلفة تبدو هينة. أما الآن في 2007 ومع مقتل أكثر من 3000 جندي أميركي فإن شعورهم قد اختلف. بعبارة أخرى، فإن الديمقراطيين يمكن أن يقولوا إما إنهم قد فقدوا الثقة في قدرة الولايات المتحدة على تحقيق الاستقرار في العراق أو أنهم يرون أنه حتى إذا تحقق هذا الاستقرار فإن الأمر لا يستحق التضحية بالمال والنفس.
مثل هذا الاعتراف يمكن بالطبع تجميله بعبارات رنانة مثل أن يقول أحدهم: «الحرب الضرورية التي صوتُ من أجلها كي يتم خلع صدام حسين نجحت، أما الحرب غير الضرورية التي أردتم أنتم الاستمرار فيها من أجل البقاء هناك وإقامة الديمقراطية لم تنجح». في الوقت الذي لا تزال فيه أميركا متورطة في حرب شرسة، فإن هذا النوع من الأعذار لا يحقق المراد منه.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص ل«البيان»