لم يتمتع رؤساء الوزراء البريطانيون بنفس قوة الدور وكفاءة الأداء بل تتفاوت أدوارهم وقدراتهم من شخصية إلى أخرى ومن فترة إلى أخرى إلا أن معظم الآراء تتفق على أن أقوى شخصيتين حظيت بهما السياسة البريطانية كانتا شخصية السير ونستون تشرشل والليدي مارغريت تاتشر.

ولقد كانت قوة الشخصية والكفاءة في إدارة العلاقات الدولية معياراً للمقارنة بينهما، حيث تشابه الاثنان أيضاً بديمومة مكانة بريطانيا الدولية فتشرشل كان يعتقد خلال الحرب العالمية الثانية أن الإمبراطورية البريطانية باقية لمدة ألف سنة وتاتشر كانت تتحدث عن بريطانيا وكأنها لا تزال قوة عظمى كما كانت من قبل، كما أنهما يشتركان في الكفاءة العالية في بناء وإدارة التحالفات الدولية الضرورية لمصالح بريطانيا وإدارتها .

إضافة إلى ذلك فان تشرشل كان من أبرز الزعماء السياسيين الذين قاموا بفصل موضوعي بين الأخلاق والسياسة الخارجية حيث يقول (لقد ارتكبت من أجل بريطانيا من الجرائم ما لو ارتكبته بالداخل لقضيت حياتي كلها في السجن). وعموماً يمكن القول إن أهم دور يقوم به رئيس الوزراء البريطاني يكمن في بناء التحالفات الضرورية للمصالح البريطانية وتقويتها إضافة إلى حماية المصالح البريطانية وفعالية هذا الدور تعتمد على عاملين أساسيين الأول الدعم الداخلي والثاني رجاحة النظرة إلى خيارات ومتطلبات القوة والتوازن الدولي.

فبالنسبة إلى العامل الأول فشل نيفيل تشمبرلن رئيس الحكومة البريطانية في نهاية الثلاثينات من القرن المنصرم ـ في كسب الدعم الداخلي لفكرة التحالف مع ألمانيا التي من شأنها ـ في اعتقاده ـ ردع التطلعات الألمانية، حيال أوروبا عموماً وبريطانيا ومستعمراتها خصوصاً، وذلك لاعتقاده أن النتائج هي التي ستبرر تلك الفكرة.

في حين نجحت مارغريت تاتشر بما تتمتع به من قدرة إقناع ومرونة حركة عالية جعلتها تدير واحدة من أكبر حملات الدعاية التي شهدتها بريطانيا لدعم موقفها من الحرب على العراق عام 1991، ومهدت بذلك الطريق إلى خليفتها جون ميجور فكسبت الرأي العام البريطاني لإقامة التحالف ضد العراق بزعامة الولايات المتحدة حتى مع تصاعد الرأي العام المضاد الذي بدأ يتشكل منذ بداية تلك الحرب.

أما بالنسبة لتوني بلير فقد نجح هو الآخر في كسب الدعم الكافي لدخوله التحالف مع الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب سواء ضد القاعدة في أفغانستان أو في أهم تحدي وهو الحرب في العراق فمن الصعب الحصول على موافقة الجمهور البريطاني والنخبة في بريطانيا على خوض حربين متتاليتين إلا أن حكومة توني بلير تمكنت من فعل ذلك عندما قدمت بالمقابل مشروعا اقتصاديا وطنيا ناجحا وحقق الاقتصاد البريطاني نجاحات ملفتة إضافة إلى نجاحات بريطانيا في الساحة الدولية.

أما العامل الآخر فيتفق كل من (فريمان) و(جون هولسمان)،على أنه بعد تراجع مكانة بريطانيا إلى مستوى القوى المتوسطة، أصبح دور رئيس الوزراء البريطاني وقدرته على تركيز الجهود السياسية والدبلوماسية في بناء أو الحفاظ أو تطوير سياسة التحالف. إنما يخضع لاستحقاقات المرحلة والظرف الدولي، بل وكذلك لتأثير علاقات التجاذب والتنافر بين كل من أوروبا الموحدة من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، والمصالح البريطانية العالمية من جهة ثالثة. وبالتالي لم يعد هنالك رؤية رجل واحد في صنع التوازنات والتحالفات كما هو الحال في زمن تشرشل).

ولكن مع ذلك فإن مهارة رئيس الوزراء لا تزال تكمن في إدارة المباحثات الدبلوماسية التي تسبق عقد الاتفاقيات أو الأحلاف المهمة وكذلك إعطاء صورة القوة المتميزة أو التي تستمد قوتها من تحالف مع قوة كبرى أخرى. وهذا هو الدور الذي برع في أدائه تشرشل في تحالفه مع الولايات المتحدة إبان الحرب العالمية الثانية وأداء تاتشر الملفت مع رونالد ريغان الراحل، ثم نجاحات بلير في التناغم والانسجام مع بوش في مزج لم يسبق له مثيل في موقف دولتين أو قوتين كبيرتين في النظام الدولي.

استقالة توني بلير

إذا اتفقنا مع ما ورد في السابق من أن دور رئيس الوزراء البريطاني هو دور محكوم وليس مطلقا بالتالي يمكن أن نتكهن بالسبب الحقيقي الذي دفع توني بلير إلى تقديم استقالته قبل انتهاء فترة حكومته. والواقع أنها أسباب وليس سببا واحدا.

أولا: بريطانيا فشلت في حرب العراق والطريق في العراق أضحى مسدودا أمام دور القوات البريطانية التي لم يعد لوجودها أي داع خاصة في نظر الجمهور البريطاني الذي لم يعد قادرا على فهم وتقبل مبررات الفشل البريطاني في العراق وبالتالي أضحى موقف حكومة بلير وحزب العمال سيئا جدا فإذا تغاضى الجمهور والخصوم السياسيين عن أكاذيب حكومة بلير التي بررت الحرب على العراق فان لا احد في بريطانيا يستطيع التغاضي عن جثث الجنود البريطانيين التي أضحت تتلاحق في الوصول.

ثانيا: فوز ساركوزي يعني أن فرنسا مقبلة على عهد جديد وهو التغلغل في السياسة الدولية واستثمار مفارقات مأزق الولايات المتحدة في العراق ورغبتها الملحة في الخروج من هذا النفق الذي يطول. وهذا الأمر يطرح احتمالين الأول دور أكبر لفرنسا في أوروبا حلف شمال الأطلسي أو في أوروبا الاتحاد الأوروبي. والاحتمال الآخر هو أن فرنسا سوف تطرح نفسها كحليف للولايات المتحدة سوف يقدم دعما مضافا، حليف لم تستنفد قواه في حرب العراق.هذا الاحتمال إن حصل فان الولايات المتحدة ربما ستعطي فرنسا دورا كبيرا في العراق وربما ستستبدل تحالفها مع بريطانيا ففي السياسة لا وجود لصداقات دائمة وإنما هناك مصالح دائمة.

وفي كلا الاحتمالين كان لابد لبريطانيا أن تتدارك الموقف وتقدم شخصا جديدا يستطيع أن يضمن اجماع العامة والنخبة في بريطانيا. وهذا الشخص يكون من نفس حزب العمال الذي لديه ذات الثوابت في إدارة العلاقات الدولية والعلاقات الأوروبية خصوصا.

وفي كل الأحوال فإن لا خلاف على أن توني بلير قدم أداء متميزا على الأقل على الصعيد الداخلي وهو أداء ربما لم يصل إلى مستوى أداء تشرشل على الصعيد العالمي أو حتى مهارة تاتشر في إدارة التحالفات الخارجية ولكنه على الأقل امتلك الشجاعة الكافية للانسحاب لصالح مصالح بريطانيا أو ربما وفاء لعهد الصداقة والتحالف الطويل مع جورج بوش ففضل أن ينسحب هو قبل أن يصدر قرار سحب القوات البريطانية ليترك الرياح تعصف بجيش الولايات المتحدة.

كاتبة عراقية