عندما يسكن الهم عقلك وقلبك ووجدانك فإنه يصبح مع الأيام مؤرقاً وتحاول من خلال التفكير به التمحيص والبحث عن أنسب الحلول لازالة ولو جزء بسيط من هذا الهم. ولكن الهم الوطني أحد أهم الهموم التي تسكن الفرد المواطن طوال حياته ويسعى إلى إبرازه على الساحة بكافة مجالاتها للوصول به إلى بر الأمان، وتعلمنا منذ الصغر السعي إلى تأصيل الهوية الوطنية والمحافظة على العادات والتقاليد والموروثات الشعبية بكافة أنواعها والمكتسبات الأثرية والتاريخية التي خلفها لنا الآباء والأجداد منذ القدم،
وهذا ما دعا إليه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ طيب الله ثراه ـ في أكثر من موقف وطالب بالحفاظ على التراث وما تناقلته الأجيال ومحاولة إحيائه حتى لا يندثر وصرح بمقولته الشهيرة (من لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل له) فكان هو المبادر وأعطى أوامره بالحفاظ على الموروث وقام بإنشاء المؤسسات الوطنية التي تحفظ هذه المكتسبات سواء تاريخية أو تراثية أو بيئية أو عن الحياة الاجتماعية.
وبما أن الدولة شهدت منذ تأسيسها نهضة عمرانية شملت كافة إمارات الدولة وهذا شيء طبيعي دخلت الدولة مرحلته وأصبحت مع الأيام معلماً حضارياً في التقدم العمراني ينافس دول العالم في البناء والتعمير ولكن في ظل هذه الطفرة العمرانية أخذت المكتسبات التاريخية تندثر مع الأيام ـ دون قصد ـ وإن لم ننتبه لها سوف تبقى ذكرى في الكتب مع السنين وأنا على يقين بأن أغلب المؤسسات تسعى جاهده للحفاظ ولو على جزء بسيط،
ولكن نحتاج إلى جهود جبارة وجعل هذا الهم الوطني الحيوي والمهم من أولوياتنا اليومية كالهواء والطعام والشراب الذي لا نستغني عنه ومحاولة إعطائه حقه في وضع الخطط والأهداف التي تمكن من إبرازه بالصورة المشرفة التي تفخر بها كافة الدول وعندما يزورها السائح يعرف بأن هذه المكتسبات محفوظة في مكانها الطبيعي، ويوجد على أرض الإمارات العديد من هذه الأماكن التاريخية الشاهدة على تاريخ إنسان هذه البقعة وكيف عاش والجزيرة الحمراء أحد أهم هذه المناطق التاريخية التي مازالت باقية على ما هي عليه حتى الآن.
ولا يخفى عليكم بأنها معلم تاريخي شاهد على أجيال تعاقبت عليها سكنتها وأصبح لها مع الأيام تاريخاً تعتد به وتفخر بمن سكنها وأعطى لبقائها. تقع الجزيرة الحمراء في شمال الخليج العربي بإمارة رأس الخيمة على بعد 17 كيلومترا من جهة الجنوب الغربي للمدينة، وتعتبر شبه جزيرة وترتبط بالبر من طرفها الجنوب الغربي واختلفت الروايات في تسميتها بالجزيرة الحمراء فيقال نسبة لتعرضها لحروب دامية إبان حملات القوات البريطانية وقتل فيها الكثير من الأفراد، فهناك رواية تقول إن الجزيرة يحيط بها المرجان الأحمر (الغشق الأحمر) على طول ساحلها البحري وبسببها كان يشكل نوعاً من الصد الطبيعي لسفن القوات البحرية البريطانية.
كما تسمى الجزيرة بجزيرة الزعاب نسبة لقبيلة زعاب التي سكنتها منذ مئات السنين ولعبت دوراً كبيراً ضمن حلف القواسم، وعمل أهلها في صيد الأسماك ومجال الغوص والبحث عن اللؤلؤ والزراعة وتعتبر من أشهر القبائل الإماراتية، وتنقسم الجزيرة إلى ثلاثة فرجان ومفردها (فريج) الفريج الغربي ويقع من جهة الغرب، وفريج المناخ ويسمى فريج الشيوخ، وسمي بالمناخ نسبة إلى كونه مكان إناخة الجمال، والفريج الثالث فريج الحيان أي (الوسط) الذي يقع بين الفريج الغربي والشيوخ، وتشتهر الفرجان بكثرة مساجدها حيث يقع في كل فريج ثلاثة مساجد.
كما اشتهرت الجزيرة بسوقها الشعبي الذي يقع على الساحل الشمالي من الجزيرة جهة الشرق بالقرب من الخور، وتوجد آثار لمنازل بنيت بطريقة معمارية وفنية مزينه بالنقوش والأبواب والأعمدة التي تدل على تميز ابن هذه المنطقة في البناء والنقش سواء المحلي أو المتأثر بمن حوله من البيئات المختلفة ومع مطلع سبعينات القرن الماضي رحلت أغلب الأسر عن الجزيرة نتيجة للتطور العمراني في مناطق أخرى أو البحث عن فرص عمل جديدة مما أدى لبقاء الجزيرة مهجورة وحتى لا يطال هذه المنطقة هذا التطور نطالب ببقاء الجزيرة على حالها والسعي والتكاتف من أجل إعادة إحيائها لتبقى نموذجاً معمارياً يسعى إليه القاصي والداني، ونطالب بتكاتف الجهات المعنية للسعي على اعتبارها منطقة أثرية نحافظ عليها من الاندثار.
«إنقذوا الجزيرة الحمراء»، فلنجعله شعاراً لحملة تبدأ منذ الآن ويتعاون في إبرازها وتوصيلها لأصحاب القرار كل من يسكنه هذا الهم الوطني حتى لا نندم مع فوات الأوان. كل الشكر والتقدير لمن ساعدني في زيارة هذا المعلم التاريخي الحي وخاصة الدكتور محمد عبد الله جكه المنصوري والباحث الأستاذ جمعة الدرمكي والشكر موصول لقسم الدراسات بجريدة «البيان» الذي نظم مؤخراً ندوة حول المتاحف والآثار بدولة الإمارات العربية المتحدة والنظرة المستقبلية.