تقليد متحضر أن يعتزل سياسي وهو في قمة السلطة، وقرار توني بلير بالتنحي يستحق الإعجاب أيا كان الرأي في سياساته، فهو دون أدنى شك واحد من رؤساء الوزارات في تاريخ بريطانيا الحديث، فالرجل جاء بمشروع لتجديد السياسة البريطانية جذريا فكان أحد مهندسي «الطريق الثالث» الذي حاول منظروه أن يكون صلحا تاريخيا بين العدالة والحرية واتسم فوزه بالكثير من الزخم كواحد من أصحاب تجارب الصعود السياسي الناجحة. عاصر بلير الكثير من المنعطفات الكبيرة في السياسة الدولية أوروبيا وعالميا.
قائدة أم تابعة؟
وبقدر أهمية فترة حكمه وما شهدته من عواصف وصراعات على قيادة حزبه وما عاصره من شد وجذب لم يهدأ حول هوية بريطانيا والجدل المزمن حول أوروبيتها وانتمائها للفضاء الإنجلوسكسوني. ولعل بلير الذي نجح بجماهيرية كبيرة وحكم وسط اعتراضات صاخبة يظل درسا مهما في ضرورة الفصل بين الاعتراضات على سياسات أو أولويات أو مواءمات وبين فقدان ثقة الناخبين،
فالرجل نجح عبر صندوق الانتخابات في الاحتفاظ بمنصبه رغم توقع الكثيرين أن يفقد ثقة الناخب تارة بسبب علاقة التحالف الاستراتيجي البريطاني الأميركي الذي شهد في عهده فترة من أزهى فتراته وتارة بسبب قراره المشاركة في إطاحة النظامين الأفغاني والعراقي، لكنه عبر الاختبار مرتين وقرر التنحي طواعية، ولم يكتف بأن يترك منصبه بل قدم كشف حساب عن فترة حكمه اتسم بصراحة كبيرة وتواضع غير معهود.
وعلى عكس الصورة التي رسمتها له الصحافة العربية كإمبريالي أعاد بريطانيا إلى سياستها الاستعمارية القديمة تحدث الرجل باهتمام كبير عما قدمه في الداخل للناخب البريطاني، فالشأن الداخلي يظل الأولوية الأولى للحاكم والمحكوم في أي مجتمع ديمقراطي، فهو مهتم بإنجازاته في مجالات كالصحة والتعليم وهو يفخر بإنجازاته للمواطن البريطاني قائلا: «أي حكومة تستطيع أن تدعي ذلك سوى حكومتي؟»
ورغم الانتقادات المريرة لعلاقته بالإدارة الأميركية فإنه وهو يسلم الراية ويترك مسرح التنافس السياسي يعتقد أن بريطانيا لم تعد تابعة: «بريطانيا ليست تابعة اليوم، بريطانيا أصبحت قائدة وزعيمة». وقد لفت بلير النظر إلى حقيقة من أهم حقائق الممارسة السياسية على مدى التاريخ وهي أن الجلوس في موقع اتخاذ القرارات من موقع المسؤولية يختلف كثيرا عن طرح الانتقادات من خارج السلطة، حيث يسهل النقد على من كان بعيدا عن موقع المسؤولية لأنه يكون بعيدا عن إكراهات الواقع.
وأخطر ما قاله بلير هو وصفه للحرب الحالية على الإرهاب التي وصفها بأنها «حرب إرادات» وربما لو أدرك من ارتكبوا جريمة 11 سبتمبر ذلك لما ارتكبوها أبدا وقد أكد بلير المطالبة بعدم التراجع عن خوضها ووصف البريطانيين بأنهم «أعظم أمة في العالم». وكانت العبارة التي تبدو صادقة وملونة بلون غبار المعركة قوله: «ألوان الطيف الزاهية أصبحت سوداء ورمادية لكن عليكم أن تضعوا أيديكم على قلوبكم وتعرفوا أنني فعلت ما اعتقدت أنه صواب لبلدي.. ربما أخطأت لكنني أتيت إلى منصبي مع آمال زاهية لبريطانيا».
رجال من نوع خاص
ما قاله بلير عما يعتقد أنه الصواب لبلده يمثل مشكلة من أعقد مشكلات السياسة الدولية وهي اضطرار الحاكم أحيانا لأن يتخذ قرارات لا يتقبلها «المزاج العام» ويكون مقتنعا تمام الاقتناع أنها الحل الصحيح، والتاريخ مليء بالأمثلة على هذه الظاهرة، فإمبراطور اليابان الراحل هيرو هيتو وقع وثيقة الاستسلام للأميركيين في نهاية الحرب العالمية الثانية ورغم ذلك لم يجرؤ أحد على اتهامه بالخيانة رغم ما كان يعنيه ذلك بالنسبة لأمة كانت غارقة في الأفكار القومية المتطرفة حتى الثمالة!
وفي عام 1972 وقع المستشار الألماني السابق فيلي برانت اتفاقية مع الاتحاد السوفييتي تنص على تسوية أية خلافات بين البلدين دون اللجوء للقوة، وهي الاتفاقية التي كان لها دور كبير في بناء جسور من الثقة بين الطرفين ظهرت نتائجها في عهد المستشار الألماني هيلموت كول الذي تمت وحدة ألمانيا على يديه. وكانت النخبة السياسية في البلدين من الوعي بحيث أقدما على عقد الاتفاقية متجاوزين الميراث القديم، أما الجماهير على الجانبين فكانت أسيرة «الحقد المقدس» ولذا جاء رد فعلها متشابها، فالقوميون الألمان اتهموا فيلي برانت بالخيانة والقوميون الروس عبروا عن مشاعرهم بالبكاء ـ الحقيقي لا المجازي!
والدكتور بطرس بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة السابق الذي عمل مع السادات لسنوات كتب عنه كلاما مشابها، ففي يومياته (بانتظار بدر البدور: 1997 - 2002) يقول: «قائد يستحق هذا اللقب، رجل دولة مقتنع بصواب ما يفعل، غير مهتم بإرضاء الجماهير ويرفض الانصياع لديكتاتورية الرأي العام، ويعرف كيف يتخطى تردد أقرب مستشاريه»، ثم يلخص الفرق بين نوعين من السياسيين فيقول في عبارة موحية: «الفرق بين الرجل السياسي ورجل الدولة أن الأول يفكر في الانتخابات القادمة والثاني يفكر في الجيل القادم»!
وبالمناسبة فقد أخبرني نائب الرئيس السوري السابق الدكتور رفعت الأسد في لقاء خاص معه مؤخرا أن السادات لم يفاجئ أي حاكم عربي بزيارته للقدس بل تطوع بإعلامهم جميعا بنيته في وقت مبكر، لكنه الخوف من الجماهير هو ما صنع رد الفعل الرسمي العربي آنذاك! وفي إيران اتخذ الخميني قائد الثورة الإيرانية قرارا بوقف الحرب العراقية الإيرانية واصفا ذلك بأنه مثل «تجرع السم»، كما أن الرئيس الأميركي بوش علق مرة على استطلاعات الرأي التي تتحدث عن تراجع شعبيته قائلا: «أفضل أن أعرف كحلال للمشكلات عن أن تكون لي شعبية».
قد يرى كثيرون أن بلير يدافع عن تاريخه السياسي - وهو فرض وارد طبعا ـ لكن الظاهرة موجودة سواء بدا كلام بلير صادقا أو لا، فبعض حقائق السياسة الدولية يكون إعلانها ذا كلفة غير محتملة وبالتالي يجد صانع القرار أنه لا مفر من التصرف بناء على ما لديه من معطيات دون أن يعلنها وبعض هؤلاء ينصفهم التاريخ بعد زمن كما حدث مع فيلي برانت، لكنني أنا شخصيا أصدق توني بلير وأعتقد أنه على قناعة بما فعل. لكن الأهم أن يدرك آخرون أن الحرب الدائرة حرب إرادات لا حرب مصالح ولا هيمنة ولا نفط، وإذا توفر لهذه الحرب في السنوات القادمة رجال مثل بلير وبوش فسوف تستمر لفترة طويلة جدا مهما علت صيحات الاعتراض في «الشارع».
كاتب مصري