ونحن نتابع ما يجري في فلسطين الغالية، وبالتحديد في قطاع غزة، علينا أن نسأل أنفسنا، كيف يتحمل هذا الشعب الصامد كل هذا البلاء؟ شعب فلسطين يتعايش الآن مع فصل جديد من معاناته. وعلينا أن نتخيل وقلوبنا تدمي لما يحدث، أحوال الأمهات الفلسطينيات وأطفالهن الذين يفزعهم المشهد الدامي فوق الأرض المغتصبة. لم يعد الأمر قاصرا على احتلال يرتكب كل أشكال جرائم الحرب، ولا على حصار مفروض على شعب الأرض المغتصبة الذي يكاد أبناؤه يتضورون جوعا بسببه، وإنما الأبشع هو اقتتال أبناء المصير الواحد.
وصدق بعض أبناء هذا الشعب المثابر المناضل عندما نقلت عنهم صحيفة «الجارديان البريطانية» وصفهم لما يجري في قطاع غزة بأنه «نكبتهم الثانية». فالاقتتال «الفصائلي» الذي أودى بحياة العشرات من أبناء الوطن الواحد المغتصب، وان كان لم يصل بعد إلى حد المقارنة بكارثة نزوح الفلسطينيين خلال حرب 1948 وتأسيس الدولة العبرية، إلا أن وصفه بالنكبة يعبر عن اليأس الذي هوى فيه أكثر من مليون فلسطيني من سكان القطاع.
غزة الآن تئن من معاناة مزدوجة. فهي تتعايش يوميا مع عدوان إسرائيلي إجرامي بري وجوي تصاعد أول أمس وسقط خلاله عدد من الشهداء وعشرات الجرحى، وفي الوقت نفسه، تصوب رصاصات حملة الأسلحة إلى صدور بني وطنهم . اقتتال، لا يدفع ثمنه هؤلاء المتصارعون، بل الشعب البطل الذي سلبت أرضه، وتعرض أبناؤه لأبشع المذابح على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، ويضاف إلى ذلك الحصار المفروض عليه والذي بسببه اتسعت دائرة الفقر بين أبناء فلسطين.
الوضع في قطاع غزة قد يشهد تدهوراً سريعاً كما يقول المنسق الخاص الجديد للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط البريطاني مايكل ويليامز. فالأسوأ انه سيكون من الصعوبة بمكان احتواء العنف والوضع يمكن أن يهدد حكومة الوحدة الوطنية على حد قوله. ما نراه على الساحة الفلسطينية، دفع الصحيفة البريطانية إلى القول إن حلم قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة أبعد وأبعد منالاً. إسرائيل من جانبها، تغذي هذه المعاناة المزدوجة التي يعيشها الفلسطينيون، ليس فقط بعدوانها المتواصل على غزة وغيرها من المدن الفلسطينية، بل بالتحريض على الاقتتال بخلق مناخ من الريبة والشك بين أبناء الوطن المغتصب.
الأمر المؤسف في ظل هذا المشهد الدامي، أن الولايات المتحدة ـ التي من المفترض أنها الراعية الأساسية لما تسمى ب«عملية السلام» ـ وجهت الشكر إلى إسرائيل بزعم أنها تتوخى «درجة كبيرة من ضبط النفس» وقالت إن للدولة اليهودية الحق في الدفاع عن نفسها. فهل يا ترى ضبط النفس الذي تقصده واشنطن هو تلك الغارات الوحشية التي تستهدف أبناء فلسطين؟ إن إسرائيل تصول وتجول، وتفعل ما يحلو لها لتمرير مخططاتها التوسعية التي تستهدف «إماتة» فكرة قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وما لم تنزع الأسلحة من أيدي المتقاتلين الفلسطينيين، فان المخطط الإسرائيلي سيمضي دون عقبات أو عثرات. وحدة الصف الفلسطيني - كما دعت دول مجلس التعاون الخليجي على لسان الأمين العام للمجلس عبد الرحمن العطية - هي الجدار الواقي لصيانة حقوق الشعب الفلسطيني، وهي الأرضية الصلبة التي تتكسر عندها مشاريع توسع الاحتلال الإسرائيلي التي تتطلب المزيد من اليقظة والتلاحم بين كافة القوى ألفلسطينية. وبدون صلابة هذا الجدار، فإن الأحلام الفلسطينية ستظل بعيدة المنال.