حسناً فعلت الموسوعة الكونية الفرنسية إذ جمعت كل المواد المتعلقة بتراثنا العربي ـ الإسلامي في مجلد كبير واحد. فهي بذلك تسهّل على الطلاب والباحثين مهمة البحث عن الموضوعات التي يريدون الاطلاع عليها أو التوسع فيها.

يتجاوز المجلد التسعمائة صفحة ويحتوي على مئات المواد والموضوعات التي تخص الحضارة الإسلامية. وقد قدم له الروائي الألباني المسلم والشهير: إسماعيل قداري. وهو يكتب بالفرنسية أساساً وله شهرة واسعة في فرنسا. كما انه مرشح لجائزة نوبل.

يقول هذا الكاتب الكبير: إن البشرية واسعة جداً وضخمة جداً إلى درجة أنه يستحيل توحيدها داخل إطار لغة واحدة، أو ثقافة واحدة، أو دين واحد. وهذا الكلام يتوافق مع ما جاء في القرآن الكريم: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينينبئكم بما كنتم فيه تختلفون).

وبالتالي فالإسلام يعترف بالتعددية على عكس ما يظن الجهلة. والاختلاف مسموح به منذ البداية بشرط ان تصدق النيات والأعمال. ولذلك نرى البشرية تتوزع على شعوب وأقوام عديدة. ولكنها أيضاً على ضخامتها محدودة ولا يمكن أن تتوزع على عدد لا نهائي من اللغات والأديان والثقافات.

وبين هذين القطبين المتطرفين نراها تتجمع تحت لواء عدد محدد من الحضارات الكبرى: كالحضارة الصينية، والحضارة الإسلامية، والحضارة السلافية، والحضارة الغربية، الخ... ونراها تتوزع على عدد معين من الأديان أيضاً: كالإسلام، والمسيحية، واليهودية، والهندوسية، والبوذية، الخ...

وبالتالي فينبغي أن نعترف بالآخر المختلف عنا وجهاً، ولغة، وديناً. وإلا فإن العالم سوف يدخل في بحر من الصراعات والدماء والحروب التي لا نهاية لها. ولكن للأسف فإن البشرية اتخذت الخط المعاكس بشكل عام حتى الآن. فهي لم تبذل الجهد الكافي لفهم الآخر في غيريّته واختلافه.

بل على العكس راحت تبذل كل ما في وسعها لنبذ الآخر وحذفه تماماً إذا أمكن. إن تعصب أحد الأطراف يؤدي إلى حصول تشنّج لدى الطرف الآخر. وهذا ما يؤدي في نهاية المطاف إلى الكره، فالحقد، فالكارثة. إن هذا الكتاب الموسوعي سوف يكون مفيداً للتعريف بإحدى أهم الحضارات التي ظهرت على وجه الأرض: أي الحضارة العربية الإسلامية.

فقد تجمعت أمم وأقوام شتى ليس فقط حول هذا الدين وإنما أيضاً حول رؤيا متكاملة للعالم كما يقول إسماعيل قداري. إنها ثقافة كاملة تصاحب الحياة البشرية من البداية إلى النهاية او من المهد الى اللحد. إن الأمر يتعلق بحضارة تضم أكثر من مليار شخص الآن، حضارة تحمل معها عقيدة متكاملة منذ عدة قرون.

ولذلك فينبغي على الأجانب أن يأخذوا هذه الحضارة على محمل الجد. وأول شيء ينبغي أن يفعلوه هو أن يستعلموا عنها من خلال الكتب والموسوعات الجادة وليس من خلال وسائل الإعلام السريعة أو الأحكام المسبقة والمغرضة.

إن هذه الموسوعة الفرنسية التي أقدم لها الآن تؤدي المهمة كما يجب. وسوف تكون مهمة جداً بالنسبة للأجانب الذين لا يعرفون إلا القليل عن الثقافة العربية والحضارة الإسلامية. أقول ذلك في وقت تزداد فيه النزعات الأصولية المتطرفة، وتتباعد الشقة بين العالم الإسلامي والعالم الأوروبي والأمريكي بشكل عام.

ولذلك أقول:ينبغي على وسائل الإعلام الغربية من أوروبية وأمريكية ألا تلجأ إلى أساليب التحريض والاستفزاز عندما تتحدث عن الإسلام أو المسلمين. لأنها بذلك تؤدي إلى زيادة انتشار الأصولية المتطرفة في أوساط أكثر من مليار مسلم، وليس إلى تحجيمها.

إن هذه الموسوعة سوف تساهم في إفهامنا الحقيقة التالية: وهي أن القيم الأخلاقية الكونية ليست حكراً على دين دون آخر، أو على ثقافة دون أخرى. وإنما هي خير مشترك بين جميع الثقافات والأديان. فكل الأديان تدعو إلى مكارم الأخلاق.

ومن الخطأ أن نعتقد بأننا دائماً على حق والآخر على باطل. إن هذا الكتاب سوف يسهم في إفهام الناس بأن حضارة الإسلام ليست عقيدة إرهابية كما تزعم بعض وسائل الدعاية والإعلام هنا وهناك. وكما أن الحضارة المسيحية الغربية لا يمكن اختزالها إلى أفلام الجنس والخلاعة والشذوذ،

فإننا لا نستطيع اختزال الحضارة الإسلامية إلى البعد الأصولي المتطرف فقط. هذا ما قاله الكاتب الألباني الشهير إسماعيل قداري. وعندما نفتح هذا الكتاب الموسوعي فإننا نقع على عشرات المواد المثيرة للاهتمام. نضرب على ذلك مثلاً مادة بعنوان: «أبو العلاء المعري».

وهي تقع في ثلاث صفحات، وقد كتبها اندريه ميكيل، الباحث المعروف في الدراسات العربية. وفيها يقول إن: أبا العلاء كان يمثل صوتاً فريداً من نوعه في تاريخ الإسلام. فهو متشائم بالبشر وداعية للإصلاح في آن معاً. إنه مسلم حقيقي من جهة ومفكر جريء وحر من جهة أخرى.

إنه مبتعد عن التشريفات الرسمية ومفعم بحب المجد الشخصي. إنه بدون شك يمثل شخصية جذابة وفريدة من نوعها في تاريخ الآداب العربية. ولكنه يجد له أصداءً في الفكر العالمي، ونستطيع، نحن الغربيين، أن نفهمه أكثر من غيره...فصوته تجاوز عالم العرب والإسلام لكي يخاطب الوعي الكوني كله.من هنا أهمية أبي العلاء المعري.

أما مادة «ابن رشد» فقد كتبها جان جوليفيه المختص في الفلسفة الإسلامية والأستاذ القدير في جامعة السوربون. وفيها يقول: عندما نقرأ ابن رشد نصطدم فوراً بهذه المشكلة: كيف يمكن له أن يكون في آن معاً مسلماً وأرسطوطاليسياً؟ لقد رد ابن رشد نفسه على هذا التساؤل في كتابه الشهير: فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال.

فهو يعتقد بأنه لا يوجد أي تناقض بين الفلسفة والشرع الإلهي. على العكس. إن الشرع الإلهي نفسه هو الذي يدعونا إلى ممارسة الفلسفة من اجل فهم قوانين العالم بشكل عقلاني. وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تدعو إلى التدبُّر والتبصُّر والتعقُّل.وبالتالي فالدين الإسلامي لا يتعارض مع العقل أبدا إذا ما فهمناه بشكل صحيح.

ثم رحت أقلب صفحات القاموس على غير هدى حتى وقعت على مادة «ابن سينا». وقد كتبها المستشرق المعروف هنري كوربان. وهو مترجم هيدغر وصاحب الكتب المشهورة عن الفلسفة الإسلامية. وهي من أطول مواد الكتاب وتبلغ ست عشرة صفحة (ابن رشد لم يأخذ أكثر من ست صفحات). يقول المؤلف فيها «إن ابن سينا هو أحد كبار الفلاسفة في الإسلام.

وفلسفته تقع على مفترق الطرق بين الفلسفة الشرقية والفلسفة الغربية. وهو أحد الفلاسفة الستة المعروفين في الغرب اللاتيني المسيحي: أي الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن باجة، ابن الطفيل، ابن رشد. وهم الذين اهتم المستشرقون الغربيون بدراستهم منذ القرن التاسع عشر.

ونحن نعرف النقد الحاد الذي وجهه الغزالي لابن سينا وجماعته في كتاب: تهافت الفلاسفة. ونعرف النقد الذي وجهه ابن رشد فيما بعد للغزالي ولابن سينا في آن معاً في كتابه الشهير: تهافت التهافت. لقد وصلت المناقشات الفلسفية الحامية في ذلك الوقت إلى مستوى عال بين مفكري الإسلام.

ثم افتح القاموس الموسوعي بعدئذ على مادة «أدب» التي كتبها الباحث عبد الله الشيخ موسى. ثم على مادة «علم الإسلاميات» التي كتبها محمد أركون، ثم على مادة «الأدب العربي الأندلسي» التي كتبها شارب بيلا. وأتوقف هنا لكي أقرأ ما يلي: هناك مرحلتان أساسيتان في تاريخ الأدب الأندلسي:

الأولى من عام 711م ـ إلى عام 1092.

والثانية تمتد من عام 1092 ـ إلى عام 1492 تاريخ نهاية الوجود الإسلامي في إسبانيا. في المرحلة الأولى هيمن الأدب الدنيوي وبخاصة الشعر الكلاسيكي على الأدب الديني دون أن يعني ذلك أن هذا الأخير كان ضعيفاً. كما وتبلورت الشخصية الأندلسية بشكل تدريجي أثناء هذه الفترة. وفي هذه الفترة كان الحكم لملوك المشرق، أي للأمويين. وأما في المرحلة الثانية فقد هيمنت سلالتان من أصل مغربي هما: المرابطون والموحدون. وفي هذه المرحلة هيمنت الفلسفة على الأدب.

ثم افتح الموسوعة على مادة «الأمويين». وقد كتبها المؤرخ المشهور كلود كاهين. وفيها يقول: لقد حكمت هذه السلالة العالم الإسلامي بين عامي 660 ـ 750. وتاريخها مهم جداً لأن الفتح العربي ـ الإسلامي وصل في ظلها إلى حدوده القصوى. وهي التي قامت بالفتوح وحققتها.

بعدئذ انتقل إلى مادة «فلسفة» وقد كتبها الباحث المعروف كريستيان جامبيه. وفيها يقول: حوالي نهاية القرن الثاني للهجرة كانت الساحة الثقافية الإسلامية محتلة بشكل كامل من قبل العلوم الدينية التي تتحدث عن وحدانية الله، وصفاته، والحرية البشرية، والإيمان، والخطيئة وإمكانية النجاة في الدار الآخرة، والسلطة ومشروعيتها، الخ.. ولكن ماذا تبقى للفلسفة؟

هل بقي لها مكان لكي تحتله في هذه الساحة العربية ـ الإسلامية؟ نعم لقد بقي. ولكنها استوردت من الخارج ومن مجتمع وثني هو المجتمع اليوناني. ولهذا السبب فإن مكانتها ظلت قلقة في المجتمع الإسلامي، وكان دائما هناك من يحتجّ عليها ويرفضها. ولهذا السبب أيضاً كانت الفلسفة تتموضع دائماً بالقياس إلى الدين.

وكان أول فيلسوف عربي هو أبو يوسف يعقوب ابن إسحاق الكندي الذي مات بعد عام 870 ميلادية: أي قبل أكثر من ألف ومئة سنة. ولم تصلنا أعماله إلا بشكل جزئي. وكان عالماً وفيلسوفاً في آن معاً. وكان معاصراً لحركة الترجمات الكبرى عن اليونانية.

بل وساهم فيها هو شخصياً وأحاط نفسه بمجموعة من المترجمين. وكان موت الكندي قد تزامن مع ولادة الفارابي الذي دشّن الفلسفة بالمعنى الحقيقي للكلمة في الثقافة العربية. وقد مات حوالي عام 950 ميلادية عن عمر مديد. ونلاحظ لديه اهتماماً كبيراً بالمنطق الذي كرس له عدداً كبيراً من الكتب. وكان مطلعاً جداً على مؤلفات أرسطو، ولكنه استخدمه على طريقته الخاصة: أي بشكل حر.

وهذا أمر طبيعي. فهو يريد أن يستخدم فكر أرسطو لحل مشاكل سياق آخر غير السياق اليوناني هو: سياق المجتمع الإسلامي. فالفارابي ابن الحضارة العربية ـ الإسلامية. وهو مسؤول عن شؤونها وشجونها. لقد عاش الفارابي في فترة ابتدأت فيها الإمبراطورية الإسلامية بالتمزق شرقاً وغرباً. ولا يمكننا أن نفهم فلسفته السياسية والأخلاقية إلا إذا ربطناها بتلك الظروف الصعبة والمضطربة.

كان الكندي يفترض وجود توافق بين الفلسفة والنبوة مع رجحان كفة النبوة لأنها تعتمد على الوحي الإلهي. وأما الفارابي فكان يعتقد أيضاً بوجود توافق بين العقل والنقل أو بين الفلسفة والدين ولكنه كان يعطي الأولوية للعقل والحقيقة الفلسفية. وربما كان الفيلسوف الوحيد الذي تجرأ على اتخاذ مثل هذا الموقف في الساحة الفكرية العربية ـ الإسلامية. فحتى ابن رشد لم يتجرأ عليه، أو قل إنه تجرأ عليه بشكل مبطّن وملغز. والله أعلم.

كاتب سوري ـ باريس