تعاني العديد من المؤسسات الرسمية والخاصة في عالمنا العربي من هيمنة الشللية على الكثير من شؤونها ومصائر العمل اليومية بها. ورغم وجود العديد من القوانين المحددة لسير العمل في هذه المؤسسات، فإن ما يحدث في الواقع هو تحول شبه كامل عن محددات هذه القوانين ولوازمها نحو العديد من الاعتبارات الشخصية التي لا ترتبط بعمل هذه المؤسسات وأهدافها.
ومن بين هذه التحولات الواسعة الحدوث في المؤسسات العربية المعاصرة هيمنة الشللية الانتهازية مع ما تفرضه من موبقات وأدران ومفاسد مختلفة على كل أرجاء المؤسسة. ترتبط الشللية بالجماعية ولا تنفصل عنها. وفي الحياة اليومية العادية، وعبر كل ممارساتنا اليومية، فإننا نرتبط بجماعات وشلل مختلفة.
ولعل المثل القائل «إن الطيور على أشكالها تقع» هو أبلغ تعبير عن احتياجنا الدائم للجماعية، ومن ثم للارتباط بشلة ما، والاحتماء المعنوي بها. فالشللية تمثل ركناً أساسياً من أركان العلاقات الإنسانية. ولا يمكن وصم الشللية بالفساد إلا حينما تتحول من ذلك الجانب الإنساني المُشرق إلى تلك العلاقات الضيقة الجامدة الانتهازية. ويحق لكل فرد أن ينتمي لشلة ما،
كما يحق لكل شلة أن تقتصر على أعضاء محددين، بدون الانفتاح على العالم الخارجي المحيط، طالما أن ذلك يقتصر على العلاقات والممارسات الشخصية التي لا تضر بالآخرين، ولا تضر بطبيعة المؤسسات الرسمية أو الخاصة منها على السواء.
ما الذي يجعل الشللية تهيمن على العديد من مؤسساتنا العربية المعاصرة؟ وما الذي يجعل الشللية تتجاوز الأشخاص الذين يؤسسونها لتصبح بنية مُهيمنة تفرض رضوخ الآخرين وتبعيتهم المفرطة لها؟ وما هي العوامل التي تُؤبد من بنية الشللية في هذه النوعية من المؤسسات؟ وما هو السبيل للتخلص من مفاسدها وموبقاتها؟
لا ترتبط الشللية بنشأة عبثية، بقدر ما ترتبط بالتمركز حول مصالح شخصية بعينها. فالذي يحدث هو تطابق مصالح أفراد معينين، الأمر الذي يجعلهم يتلاقون ويتحدون من أجل تطبيقها. ولا غبار على تلاقي المصالح، ولا غبار على الاتحاد والتكاتف بين بعض أفراد المؤسسة الواحدة طالم ا أن الهدف هو تحقيق المصلحة العامة.
لكن المشكلة تبرز من خلال الرغبة في توجيه المؤسسة وأهدافها العامة من أجل تحقيق المصالح الشخصية الضيقة، ومن أجل استمرار البعض في الكرسي، تحقيقاً لأهداف الآخرين المتحدين والمرتبطين معه. وليس من الضروري أن تكون العلاقات الجيدة والحميمة والنوايا الطيبة هي سيد الموقف بين أعضاء الشلة والمصالح الواحدة، العكس هو الصحيح في أحيان كثيرة.
فالغالب أن العلاقات بين أعضاء الشلة الواحدة هي علاقات وقتية تحكمها المصالح الآنية، وتحكمها أيضاً الأحقاد والمصالح البالغة التمركز والمفرطة في أنانيتها. واللافت للنظر هنا هو تبدل أعضاء الشلة وتحولهم وفقاً للمصالح والأهداف وتحولات النوايا الانتهازية.
فما نهاجمه اليوم نقدره غداً، وما نثير عليه الزوابع في الحاضر نلتمس منه العون في المستقبل وهكذا. إن احدى آليات تشييد واستمرارية بنية الشللية هي أنها بنية لا تحكمها الأخلاق والضمير والعلاقات الإنسانية الحقيقية، بقدر ما تحكمها الانتهازية والفساد والمصالح الضيقة.
قد يبدأ رئيس المؤسسة ذاته في إنشاء شلة خاصة به، أو قد يتجه بعض الأفراد نحوه من أجل إنشاء هذه الشلة، والتعاطي معها ومع مستجداتها اليومية. ففي بعض الأحيان يستجدي رئيس المؤسسة أفرادً بعينهم من أجل تشكيل حائط مبكى له.
وفي أحيان أخرى يندفع الأفراد رغبة وطواعية في بناء هذا الحائط من أجل عيون الرئيس. وفي أحيان ثالثة يلتقي الطرفان في منتصف الطريق أو ثلثه أو ربعه، حسب حاجة كل طرف للآخر. وبغض النظر عن أهمية رئيس الشلة، الذي قد يكون هو نفسه رئيس المؤسسة أو لا يكون، فإن الشللية تنطوي على أعضاء متنوعين.
ففي معظم الأحيان نجد شخصاً ما أو عدة أشخاص ثابتين في الشلة، بغض النظر عن تغيرها أو تحولها. هؤلاء هم فئة المستفيدين في كل الأوقات وفي كل العهود. إضافة إلى ذلك، هناك أعضاء آخرون متغيرون، من فترة لأخرى، حسب تبدل الولاءات وتغير التوجهات.
بمجرد أن تنشأ الشلة، فإنها تحتاج لمتابعة يومية، تغذيها التقارير المنقولة، والأحاديث الجانبية، والافتراءات الكاذبة، والادعاءات الممجوجة. فالشلة تعمل من أجل بعضها البعض، حتى حينما يكره أعضاؤها بعضهم البعض. وبدون هذه التوجهات الجمعية للشلة يصعب أن تنجح في مهامها،
ويصعب أن تحقق النجاحات المختلفة لأعضائها. ومن أهم عيوب ومفاسد الشللية المؤسساتية في عالمنا العربي، أنها ذات عيون أمنية مراقبة، وظيفتها الأساسية مراقبة وملاحقة كل واردة أو شاردة لباقي أعضاء المؤسسة. بل إن اللافت للنظر،
وفي ظل التدهور الأخلاقي المرتبط بالشللية المعاصرة، أن أعضاء الشلة ذاتهم يلاحقون بعضهم البعض. وربما ينتهزون الفرصة التي يجهزون فيها على بعضهم البعض، من أجل منصب ما، أو من أجل الحصول على رضاء الرؤساء في الكوادر الأعلى.
يتحول أعضاء الشلة إلى مخبرين لرئيسهم، الذي يكتسب بدوره العقلية الأمنية التخابرية مع رؤسائه الآخرين. وهذه الوضعية تؤمن للشلة أيضاً قوتها واستمراريتها من حيث خوف الأعضاء العاديين مما قد يحيق بهم من افتراءات وبذاءات أعضاء هذه الشلة الباغية.
تخلق البنية الشللية لنفسها قدراً وهمياً من الاحترام غير الجديرة به. فلابد أن تمارس الشلة عملها باحترام، وتعطي انطباعاً للآخرين بأهميتها ودورها في تسيير شؤون العمل، حتى وهي تخربه انتاجيا واجتماعيا. فلا يمكن ان تمارس الشلة البلطجة الإدارية، لكنها تحترم القوانين، مظهريا على الأقل، كما تحفظ اللوائح، ناهيك عن تقديس أصحاب المراتب الأعلى، والخنوع منقطع النظير في معيتهم.
ومن اللافت للنظر هنا أن الشلة تخلق قداستها الخاصة بها؛ فداخل كل شلة عضو ما، غالباً هو الأكبر سناً أو ربما هو الأعلى في التدرج الوظيفي. تضفي الشلة على هذا الشخص قدراً ما من التوقير والاحترام الذي يمنح الشلة قدراً ما من الطمأنينة في مواجهة سلوكياتها البالغة الانحراف،
كما يمنحهم حَكماً يلجأون اليه في حالة اندلاع الصراعات فيما بينهم، أو فيما بينهم وبين أعضاء المؤسسة الآخرين الذين يرفضون تلك الممارسات الشللية الفأسدة. تضفي الشلة قدراً كبيراً من الأهمية على هذا الشخص، كما تمنحه تفويضات تتجاوز في أحيان كثيرة رئيس الشلة الرسمي، أو بكلمة أخرى رئيس المؤسسة ذاتها.
ومن الآليات التي تعتمد عليها بنية الشلة من أجل تثبيت أوضاعها واستمرارية بنيتها الحفاظ على هذا الشخص وتقديسه وإيهام الآخرين بأهميته. وفي هذا السياق، يمارس كل من رئيس الشلة أو أحد أعضائها المقدسين خطاباً معنويا ادعائيا يقنع به الآخرين بأنه الأكثر استقامة وعملاً.
ولا مانع في هذا السياق من استخدام بعض المصطلحات المتداولة والرائجة مثل الشفافية والنزاهة وربما الديمقراطية...إلخ من مثل هذه المصطلحات التي تنمحي قيمتها الحقيقية على أيدي أعضاء الشلة المبتذلين.
من آليات الحفاظ على بنية الهيمنة في الكثير من المؤسسات في العالم العربي أن الشلة نفسها تخلق العناصر المهمة التي تبجلها أو تغدق عليها المكافآت والمنح. ولا يمكن أن يتم ذلك بمعزل عن خلق بعض العناصر الآخرين الذين تقمعهم الشلة وتروضهم وتحاول اخضاعهم لها.
وربما يظهر هذا الشكل المزدوج من جانب رئيس المؤسسة ذاته، الذي يمارس خُضوعه المُذل، في أحيان كثيرة أمام البعض، لكنه يبحث لنفسه في الوقت ذاته عن أعضاء آخرين، يمارس من خلالهم إحساسه بالرئاسة، ويعوض تلك الحالة الخانعة التي تُلزمه بها الشلة أمام بعض أعضائها.
تمارس الشللية قدراً كبيراً من الازدواجية في التعامل بين أعضائها وبين باقي أفراد المؤسسة، وهو الأمر الذي يخلق حالة من التردي الأخلاقي العام وضعف الإنتاجية. وبهذا الطريقة تخلق الشللية حالة من الإحباط العام بين فريق العمل، فما يستحق المكافأة مستبعد، وما لا يستحقها يأتي دائماً في المقدمة.
من الضروري مواجهة الشللية في مؤسساتنا العربية المختلفة، ومن الضروري أن تُنشئ كل مؤسسة هيئة مستقلة ملحقة بها وظيفتها ملاحقة الشللية ومحاسبة القائمين عليها والمتسفيدين منها. وقبل هذا وذاك، لابد من أن يقاوم أعضاء المؤسسة العاديون أية محاولات شللية وملاحقتها وهي في المهد قبل أن تستفحل وتعمُق جذورها وتستشري بين أعضائها المبتذلين.
كاتب مصري