إن التنميق المبالغ فيه ووضع الاستراتيجيات ذات الضجيج والسياسات القائمة على التحذلق كالتي مارسها الساسة الذين يجتاحون عاصمة الدولة يجب وضع حد لها الآن، على الأقل حيثما تتقاطع مع الكارثة المتمثلة في الحرب على العراق.
لم يعد هناك أية أفضلية يمكن الحصول عليها سواء من قبل رئيس عنيد لن يرى أو يستمع إلى حقيقة أين يقودنا طريقه إلى «النصر» بالفعل في حرب خاسرة، أو الأغلبية الديمقراطية الجديدة في الكونغرس، التي تتصف بالجبن والخوف من القيام بما انتُخبت من أجله، وهو إنهاء الحرب بأقصى سرعة ممكنة.
بينما كان الساسة يتجادلون ويتحذلقون، كان الجنود الأميركيون يتساقطون بأرقام قياسية على الطرق والشوارع المفخخة في العراق. فقد شهد شهر ابريل عودة 104 عناصر من الجنود والمارينز الأميركيين إلى موطنهم في توابيت ملفوفة بالأعلام، بعيداً عن أنظار عدسات الكاميرات والشعب الأميركي الذي قتلوا باسمه.
وكان ذلك الشهر هو سادس أعلى شهر في عدد الوفيات الناجمة عن الحرب. ومؤخراً شهدنا سيركاً مثيراً للضحك، حيث ظهر الرئيس الأميركي جورج بوش على شاشات التلفزيون بصورة يومية مهدداً باستخدام الفيتو ضد مشروع قانون يمنع تقديم المليارات الضرورية لمواصلة حربه ـ
وهو الفيتو الثاني فقط الذي استخدمه صاحب القرار في الأعوام الستة من ولايته ـ على أساس أن الديمقراطيين يحاولون إحلال قرارات الساسة محل قرارات القادة العسكريين على الأرض، وقد تجاهلت خطبة بوش اليومية الحقيقة القائلة إن ساسة إدارته أكرهوا القادة العسكريين على قبول قراراتهم الخاطئة كل يوم منذ بدء التخطيط للغزو في مستهل عام 2002.
قام الديمقراطيون بالفعل بتعديل مشروع قانون تمويل الحرب الذي اقترحوه بهدف حذف التوجيهات الإلزامية ببدء انسحاب القوات، الأمر الذي جعله اقتراحاً أكثر مما هو أمر. ولكن هذا الأمر لم يكن كافياً للرئيس، الذي طالب بمشروع قانون ( نظيف) يتضمن فقط تقديم المال الذي أراده لمواصلة الحرب.
إن الموعد النهائي المتغير لتقرير ما إذا كانت الزيادة التي طالب بها الرئيس بوش، أو التصعيد لقوة الجنود الأميركيين في العراق، قد تحرك مجدداً فيما أبلغ قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بترايوس الكونغرس أننا قد نصل إلى شهر سبتمبر قبل أن نتوصل إلى فكرة جيدة حول ما إذا كانت الاستراتيجية القديمة ـ الجديدة ستنجح أم لا.
ماذا لو لم تنجح تلك الاستراتيجية مع حلول شهر سبتمبر؟ لن يعني هذا الأمر أن الحرب قد انتهت، كما ألمح بذلك مسؤولون في الإدارة. فهم سيفكرون في أمر آخر لتجربته، إن الرئيس مصمم على مواصلة الحرب، مهما كان الأمر، إلى أن يتمكن بسلام من تسليم الفوضى برمتها لمن سيخلفه في 20 يناير، 2009،
مهما كلف ذلك من أرواح الأميركيين والعراقيين، والديمقراطيين في الكونغرس يريدون إنهاءها، ولكنهم يتخوفون من الوقوع في الخطأ على غرار كارل روف، الأمر الذي سيتركهم يواجهون اتهامات بأنهم تخلوا عن الجنود الأميركيين في ساحة المعارك من دون توفير المال اللازم لهم لخوض القتال،
إنهم لا يريدون أن ينتهي بهم الحال إلى أن يكونوا في الجانب الخاطئ من تلك المقولة الدعائية: «ادعموا جنودنا» مع الاقتراب السريع لانتخابات 2008، وهذا يتجاهل حقيقة أن أكبر دعم ممكن لجنودنا، في الموقف الذي نحن بصدده، هو إخراج العدد المتزايد من الرجال والنساء الأميركيين الشباب من خط النار في حرب أهلية دينية أطلق بوش وأتباعه العنان لها بقفزة حمقاء من دون تفكير إلى المستنقع المتمثل في العراق والشرق الأوسط.
إذا صدق الشعب الأميركي هذه الكذبة الأخيرة التي تشبه أكاذيب روف وذهب إلى صناديق الاقتراع العام المقبل معتقدا أن الديمقراطيين هم من خذلوا جنودنا بإنهاء الحرب، بما في ذلك قطع التمويل عن تلك الحرب، فإننا نستحق الحكومة التي سنحصل عليها.
إن بوش، الذي استخدم الفيتو ضد مشروع قانون تمويل الحرب في العراق في الذكرى السنوية الرابعة لخطابه سيء السمعة «المهمة أنجزت» التي أعلن فيه نهاية العمليات القتالية في العراق من على متن حاملة طائرات قبالة سواحل سان دييغو، يبدو أبعد ما يكون عن الواقع بينما يمضي إلى العشرين شهراً الأخيرة من ولايته، ويوماً بيوم يتكشف الافتقار إلى الكفاءة عند الموظفين والمحسوبين الذين يعينهم، ناهيك عن فسادهم. وصديقه المحامي،
والمدعي العام ألبيرتو غونزاليس ، ليس بمقدوره أن يتذكر ما قام أو لم يقم به في أيامه الحافلة بالنشاط في وزارة العدل. والبيت الأبيض لا يمكنه أن يتذكر ما فعله بخمسة ملايين رسالة إلكترونية. وروف، العقل المدبر للرئيس، والموظفون السياسيون من الحزب الجمهوري في الحكومة،
لا يتذكرون أن قانون «هاتش» يحظر ممارسة العمل السياسي الحزبي في وقت الدوام الحكومي وداخل المنشآت الحكومية. ربما، مع مرور السنين، سيكون بمقدور الشعب الأميركي نسيان حقيقة أنه انتخب رئيسا وإدارة فرضا عليه حصادا مراً وتركة قذرة. ليس مرة واحدة بل مرتين.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» ـ خاص لـ «البيان»