ناقش المؤتمر السنوي الثالث لجريدة «البيان» هذا العام إشكالية «الصحافة الاقتصادية... الواقع وآفاق المستقبل» ودورها في التنمية المستدامة والمشكلات والتحديات التي تواجهها. والسؤال الرئيس الذي يفرض نفسه في هذا المقام هو هل نستطيع الكلام عن صحافة اقتصادية متخصصة؟ وهل هناك صحفيين اقتصاديين متخصصين؟ ما هو موقع الإعلام الاقتصادي في الخريطة الإعلامية الإماراتية؟

و هل هناك صحافة اقتصادية قوية وفعالة تقوم على الاستقصاء والنقد والتقييم والمراقبة بهدف مواكبة التطورات والتحولات الاقتصادية، والمشاريع التنموية العديدة التي تشهدها البلاد في مختلف المجالات؟ وهل هناك متابعة للمشاريع الاقتصادية والحركة التنموية في الدولة؟ ماذا عن الوعي الاقتصادي والثقافة الاقتصادية والسلوك الاقتصادي الرشيد الذي يحتاجه الفرد والمؤسسة والمجتمع ككل من أجل القرار السليم ومن أجل الرشادة الاقتصادية.

يتطلب نجاح التنمية المستدامة إعلام اقتصادي متخصص وقوي وفعال، ودراسات وتحليلات وتقارير وبيانات وإحصائيات وثقافة اقتصادية ووعي اقتصادي على مختلف الأصعدة من أجل الرشادة الاقتصادية والسلوك الاقتصادي الواعي والمسؤول والسليم. هناك علاقة ارتباطية قوية بين الإعلام والاقتصاد،

وأن المعلومة في عالم الاقتصاد تعتبر سلعة مهمة وإستراتيجية سواء بالنسبة للفرد أو للمؤسسة. وهذه العلاقة يجب أن تُبنى على أسس متينة تقوم على العلم والمعرفة والتخصص والخبرة، وأهم من كل ما سبق، الأخلاق والنزاهة والموضوعية.

فالذي يكتب ويحلل ويناقش ويستشرف وينتقد ويقّيم القضايا الاقتصادية والمالية والإدارية يجب أن يكون متخصصا وله دراية وخبرة وتجربة في المواضيع الاقتصادية المختلفة التي يكتب عنها. فالمؤسسات الإعلامية بحاجة إلى محررين اقتصاديين متخصصين وبحاجة إلى دورات تدريبية بصفة منتظمة

وتعليم مستمر حتى يجدد المحررون الاقتصاديون معارفهم ومعلوماتهم وخبراتهم في مجال تغطية ومناقشة وتحليل ودراسة القضايا والشؤون والقضايا الاقتصادية. الصحافة الاقتصادية في الإمارات بحاجة إلى نقلة نوعية، إذ أنها مطالبة بالتغيير والتطوير والانتقال من الاستعراض والترويج إلى التحليل والتحقيق والنقد والتقييم.

هناك علاقة وطيدة بين المعلومة والقرار الاقتصادي ومن هنا يأتي الدور الاستراتيجي للإعلام الاقتصادي في دفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام ومسايرة التنمية الشاملة في البلاد وممارسة النقد والتقييم والتوجيه والإخبار ونشر الوعي الاقتصادي في المجتمع.

الإشكال لا يتعلق بنشر أخبار عامة وأحداث اقتصادية عابرة بطريقة استعراضية ترويجية، وإنما يتعلق بدراسات وتحليلات وتعليقات وتقارير وإحصائيات وبيانات، وكل ما من شأنه أن ينشر الوعي والثقافة الاقتصادية التي تجعل من الفرد كائن اقتصادي،

يعرف كيف يدير نشاطه الاقتصادي وقراراته الاقتصادية وكيف يتفاعل مع التنمية الشاملة في المجتمع، وتجعل من المنظمة مؤسسة تُدار بطريقة رشيدة وفعالة وناجحة. دور الإعلام الاقتصادي هو توعية الفرد وتثقيفه باعتباره كائن اقتصادي، يتخذ يوميا قرارات اقتصادية.

وما ينسحب على الفرد ينسحب على المؤسسة ومختلف المنظمات في المجتمع وعلى الدولة نفسها. كما نلاحظ أنه لا حياة اقتصادية بدون إعلام اقتصادي، ولا نجاح لمشاريع تنموية وللتنمية المستدامة بدون وعي اقتصادي وثقافة اقتصادية من قبل أفراد المجتمع الذين هم بالأساس الفاعلون الرئيسيون في عملية التنمية.

فلا نجاح للتنمية والتطور والتقدم بدون أفراد يكونون في مستوى المسؤولية التي تقع على عاتقهم. فالاستثمار في تنمية الموارد البشرية يعتبر الاستثمار الرئيس والأساس لنجاح أية عملية تنموية واقتصادية. فالإعلام الاقتصادي هو بوصلة التنمية المستدامة فهو الناقد والموّجه والمستشرف.

يشير واقع الإعلام الاقتصادي في دولة الإمارات إلى بعض مواطن الضعف والسلبيات حيث نلاحظ ضعف الأداء وغياب التخصص وكذلك قلة المجلات والصحف الاقتصادية المتخصصة وتداخل الإعلان مع الإعلام وسيطرة وكالات العلاقات العامة على المعلومة الاقتصادية.

الإعلام الاقتصادي بحاجة إلى إعلاميين متخصصين في الاقتصاد ولديهم خبرة وتجربة ومعرفة كاملة بالشؤون والقضايا الاقتصادية. والأمر هنا لا يسمح بالارتجال والاستعراض والاكتفاء بالبيانات الصحفية وتقارير المؤسسات وشركات العلاقات العامة. كما أنه لا يقتصر على الترويج للمؤسسات والشركات بقدر ما هو بحاجة إلى بحث واستقصاء وتقييم مبني على مهنية وحرفية عالية.

فالاقتصاد هو علم له أسسه وقوانينه ونظرياته يقوم على استراتيجية في الرؤية وفعالية في الأداء. كما يلعب الإعلام الاقتصادي دورا استراتيجيا في غرس ثقة الناس في السوق وفي الاقتصاد. الاقتصاد الإماراتي اليوم بحاجة ماسة إلى إعلام اقتصادي قوي وفعال يقدم بيانات اقتصادية دقيقة،

ويقوم بالنقد والاستقصاء والكشف عن الأخطاء وسوء الإدارة والتسيير والفساد والتجاوزات لمواكبة التطورات على الصعيدين الإقليمي والدولي. فلا مجال للتلميع والمجاملات والاستعراض في ظل المنافسة الشرسة والعولمة. ما نلاحظه في الميدان، مع الأسف الشديد، هو وجود فجوة بين حركة التنمية والاقتصاد من جهة، والصحافة الاقتصادية من جهة أخرى.

الواقع الحالي للصحافة الاقتصادية في الإمارات يتطلب وضع حدود فاصلة بين الإعلان والتحرير والتخلص من صحافة الاستعراض والترويج وبيانات العلاقات العامة. وهذا يعني الحاجة إلى تبني صحافة الاستقصاء والتقييم والنقد وكذلك ممارسة صحافة الدراسات والتحليلات والتحقيقات والآراء من أجل نشر وعي وثقافة اقتصادية في المجتمع. تتطلب تحديات التنمية المستدامة في الإمارات العربية المتحدة صحافة اقتصادية قوية،

فاعلة وناقدة وهذا يستدعي تحرير المؤسسة الإعلامية من القيود والضغوط المهنية والتنظيمية وحماية الصحافي حتى يجرؤ على النقد والتقييم وكشف الأخطاء والتجاوزات والسلبيات. فالمشكل الرئيس الذي تعاني منه الصحافة الاقتصادية في الإمارات العربية المتحدة هو الرقابة الذاتية.

تحديات الصحافة الاقتصادية الإماراتية تتمثل في تغيير الدهنيات والخروج من دروب الروتين وتبرير الموجود. فإشكالية الصحافة الاقتصادية يجب أن تُعالج على المستوى الكلي وليس الجزئي، أي من خلال النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وكذلك من خلال النظام الإعلامي ككل.

لا تختلف مشكلة الصحافة الاقتصادية كثيرا عن مشكلة الصحافة السياسية ومشكلة الصحافة الثقافية ومشكلة النظام الإعلامي ككل. وهذا يعني أن هناك مشكلات جوهرية تتعلق بسؤال محوري يتمثل في ماذا نريد من النظام الإعلامي؟

التبرير والتنظير لتكريس الواقع، أم النقد والتقييم من أجل تغيير الواقع؟ وفي معظم الأحيان ومع الأسف الشديد، نلاحظ أن المطلوب إعلامياً هو التبرير والتنظير لما هو موجود مع رفض وجود قوة مضادة وسلطة رابعة تراقب وتستقصي وتنتقد وتقيّم وتطالب بالتغيير.

أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة