جاء قرار الإدارة الأميركية بفتح حوار مع إيران حول الوضع في العراق مفاجئاً، خاصة إنه تزامن مع تواجد ديك تشيني، نائب الرئيس الأميركي في المنطقة، وتحذيره إيران قبل عدة أيام، من على متن حاملة الطائرات «جون ستنيس» بقوله: «سنقف بجانب الآخرين لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي والهيمنة على المنطقة».
ويبدو أن الولايات المتحدة قد أدركت بعد أربع سنوات من احتلالها للعراق الحقائق الجيوبولتيكية للمنطقة، فاستقرار العراق لا يمكن أن يتحقق ـ ولو جزئياً ـ في ظل تناطح مكشوف بينها وبين إيران. وقد سبق هذا الموقف الأخير تحرك آخر على الجبهة السورية، التي تعتبر أيضاً عنصراً مهماً يجب أخذه في الحسبان لو أريد للعراق الاستقرار.
فقد اجتمعت وزيرة خارجية الولايات المتحدة بنظيرها السوري وليد المعلم على هامش مؤتمر شرم الشيخ، الذي خصص لبحث الحالة العراقية. ويعتبر هذا اللقاء الأول ـ بهذا المستوى الرفيع ـ منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في فبراير 2005.
ويأتي هذا الانفتاح الأميركي على كل من إيران وسوريا في ظل تزايد رفض الشارع العربي في العراق للاحتلال الأميركي والمطالبة بجدولة انسحابه من البلاد. ولعل رفض بناء «جدار الأعظمية» بالذات من الجماعات العربية المتناحرة بيّن بما لا يدع مجالاً للشك وجود قواسم مشتركة بين هؤلاء يمكن الانطلاق منها لبناء وضع جديد لما بعد رحيل المحتل.
وقد جاء قرار السيد نوري المالكي، رئيس وزراء العراق، الذي أعلنه في القاهرة بعد اجتماعه بعمرو موسى، والقاضي بوقف العمل في بناء الجدار، تتويجاً لهذا الإجماع الشعبي. وتقع الأعظمية على الضفة الشرقية من نهر دجلة في شمال بغداد وتحيطها مناطق ذات أغلبية سكان شيعية.
وكان موقف المجلس الوطني العراقي ذا دلالة أيضاً، إذ صوت جميع أعضائه الذين حضروا جلسة يوم السبت الفائت (12/ 5) وعددهم 88 نائباً على وقف بناء ذلك الجدار ورفض بناء أي جدار شبيه له. ويجرى حالياً التوقيع على عريضة برلمانية لإرغام الحكومة على تحديد جدول زمني لانسحاب القوات الأميركية.
وحسب البي بي سي (12 /5 ) فقد تم جمع نحو مائة وأربعة وأربعين توقيعاً من نواب المجلس الوطني، وهذه كما قال النائب صالح العقيلي عن الكتلة الصدرية، تكفي للضغط على الحكومة كي لا تسمح الشهر القادم بتمديد بقاء القوات الأميركية دون الرجوع إلى البرلمان.
وفي الذكرى الرابعة للاحتلال خرجت مظاهرة ضخمة في النجف الأشرف تطالب برحيل القوات الأجنبية. ويقود رجل الدين الشاب مقتدى الصدر معارضة تحظى بتأييد واسع، يقف معه حتى خصومه دفعاً للحرج السياسي، فهو قد وقف منذ اليوم الأول ضد الاحتلال الأميركي، ودخل جيشه المسمى بالمهدي في مواجهات دموية مع القوات الأميركية،
وهو فوق هذا وذاك من قيادات الداخل التي برزت بعد التاسع من إبريل، وهو إضافة لكل هذا ابن محمد صادق الصدر الذي تم اغتياله من أعوان النظام السابق في العام 1999، وهو أيضاً ابن أخ محمد باقر الصدر، الذي اغتاله نظام صدام حسين في العام 1980.
إن الولايات المتحدة تنظر إلى مقتدى الصدر - كما يقول مراسل البي بي سي في بغداد جيم مور 9/ 4 - على إنه «الخطر الأكبر على العراق اليوم». وقال السيناتور الأميركي اليميني جوزيف ليبرمان إن كلمات الصدر تثبت إنه «لا يدعو إلى نزاع طائفي، ولكنه يدق على الوتر الوطني، ويؤكد أن التمرد مجدٍ».
بيد أن مقتدى الصدر مهما أوتي من شعبية ومهما حمل من برنامج يشاطره به خصومه فإنه لن يستطيع أن يكون زعيماً لكل العراقيين يقودهم إلى بناء عراق جديد بعد انسحاب القوات الأجنبية منه، كما تقول الديلي تلغراف اللندية (27/ 4 ).
ففي البيت الشيعي هناك منافسون أقوياء لهم تاريخ طويل في مناوئة النظام البائد، ولهم أيضاً قاعدة جماهيرية لا يستهان بها. أما في الطرف السني، فمن الصعب تخيل قبول زعامة الصدر، وإن كانت القوى السنية تشاطره الرأي في الموقف من الاحتلال. أما الأكراد، فإن التيار العلماني هو المسيطر على ساحتهم فضلاً عن أنهم القوة الوحيدة المستفيدة تقريباً من التواجد الأميركي في العراق.
إن الإجماع الوطني العراقي ـ بالذات بين عربه ـ الذي مافتئ يترسخ يصطدم بعدة صعوبات لعل إحداها بل ربما أهمها تقاسم عائدات الثروة النفطية، فكما هو معروف، تقع الحقول النفطية إما شمال العراق بالتحديد منطقة كركوك أو في جنوبه أي في محيط البصرة.
ويبلغ احتياطيات العراق المؤكدة من النفط 115 بليون برميل، وهذا الرقم يضع العراق كثالث احتياطي في العالم بعد المملكة العربية السعودية وكندا، كما تشير النيويورك تايمز (9 /5). بيد أن المناطق المكتشفة التي تم التنقيب عن النفط فيها، وهي المناطق المذكورة، تمثل فقط 20 بالمئة من مساحة العراق،
حيث تم تجاهل باقي المناطق في زمن صدام حسين بسبب الحروب والحصار. وتعتقد الجريدة أن الاحتياطي الحقيقي للعراق قد يصل ما بين 155 بليون إلى 230 بليون برميل لو أضيفت لها المناطق التي لم يتم البحث فيها عن النفط بالذات المنطقة الغربية من العراق.
وأمام البرلمان العراقي الآن قانون النفط وتوزيع عوائده، وهو قانون موضع جدل خاصة تلك التعديلات التي أدخلها الوزير حسين الشهرستاني عليه والتي تجعل 93 بالمئة من احتياطيات العراق المؤكدة من النفط تحت تصرف شركة نفط العراق، والباقي تتصرف فيه السلطات المحلية في المحافظات.
ويعارض مثل هذا التوجه الأكراد والسنة، كل لأسبابه الخاصة. فالأكراد يريدون سيطرة الأقاليم على الإنتاج والعائدات وأيضاً إبرام العقود المستقبلية، في حين تنادي القوى السنية بتوزيع للثروة ليس بحسب عدد السكان، بل بحسب حاجة المناطق.
ويعاني القطاع النفطي من الإهمال وتخلف الإدارة فضلاً عن أعمال التخريب التي طالته والتي قدرت بأكثر من أربعمئة حادث منذ التاسع من أبريل العام 2003. أما المصيبة الأخرى التي ابتلي بها هذا القطاع فهو سرقة النفط وتهريبه، خاماً ومشتقات، وهي ظاهرة كانت موجودة أيام النظام السابق بحجة كسر الحصار واستشرت بعد سقوطه.
فتقدر جريدة النيويورك تايمز (12/ 5) أن ما بين مئة إلى ثلاثمئة ألف برميل يومياً من النفط تختفي من حسابات الدولة منذ أربعة أعوام، تقدر قيمتها إذا ما اعتبرنا متوسط سعر النفط 50 دولاراً ما بين 5 إلى 15 مليون دولار يومياً. وكانت الإدارة الأميركية تعتقد قبل الغزو أنه بحلول العام 2008 سيكون إنتاج العراق اليومي أربعة ملايين برميل، تكفي عائداتها لإعادة الإعمار ذاتياً.
كاتب كويتي