من ينظر إلى تطور السياسة الخارجية الأميركية على الساحة الإقليمية يراها مطابقة إلى حد بعيد لما دعا إليه تقرير هاملتون- بيكر للخروج من المستنقع العراقي وما يترتب عليه من ضرورة فتح حوار مع إيران وسوريا بشأن العراق، على أن لا يتم تقديم أي تنازلات إن في ما يخص النووي الإيراني أو ما يخص الساحة اللبنانية.

ولا شك في أن هذين الجانبين هما إستراتيجية واضحة للسياسة الخارجية الأميركية التي ترى المخاطر في الشرق الأوسط في إطار حصول إيران على السلاح النووي في منطقة شديدة الحساسية لمصالحها الاقتصادية واحتفاظ حزب الله بسلاحه لما يشكله من تهديد لأمن إسرائيل.

وعلى هذا الأساس يمكن تفسير التطورات الأميركية الأخيرة على الساحة الإقليمية. ففي الوقت الذي تشهد المنطقة حوارات أميركية إيرانية حول العراق وتحديد لقاء بين السفير الأميركي في العراق كروكر ومسؤولين إيرانيين في بغداد لمناقشة الوضع العراقي ليس إلا، وهو ما أكدت عليه التصريحات الأميركية،

فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال جولات نائب الرئيس ديك تشيني إلى طمأنة قوى الاعتدال العربي إلى أن هذا التطور لن يؤثر في ثوابت السياسة الأميركية في المنطقة، ويتزامن ذلك مع محاولة أميركية لتسويق المبادرة العربية لدى القيادة الإسرائيلية لإيجاد انطباع أنها ماضية في عملية حل الصراع العربي الإسرائيلي الذي تبرز عناوينه في هذه المرحلة كلاميا،

في حين أن ما يجري على ارض الواقع هو المزيد من التهويد لأراضي الضفة الغربية وضرب لاتفاق مكة وطرح التطبيع على الدول العربية مجاناً. ومن جهة أخرى، فإنه في الوقت الذي انتهت حال القطيعة مع سوريا والتي استمرت لأكثر من سنتين بلقاءات

وزيارات عدة كان أهمها لقاء وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بنظيرها السوري وليد المعلم في مؤتمر شرم الشيخ المنعقد في 3 مايو 2007، تشهد الساحة اللبنانية على ما يبدو المزيد من التصعيد السياسي.

ويظهر هذا التصعيد بقيام رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة مؤخراً بتحويل المحكمة الدولية المعنية باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، رسميا إلى مجلس الأمن طالبا منه اتخاذ قرار (ملزم) بخصوصها بعد أن بات متعذرا إقرارها وفقا للأصول الدستورية،

وهو ما فُسر على انه قرار يمضي تحت بند الفصل السابع، وقد يترتب عليه تدويل للأزمة اللبنانية، وهو ما تخشاه المعارضة اللبنانية التي تمضي في تحركاتها الشعبية المطالبة بضرورة صرف حكومة السنيورة تعويضات الحرب للمتضررين من العدوان الإسرائيلي، في إطار ما فسر بالتعبئة الشعبية لجماهيرها.

وعلى ما يبدو فإن الولايات المتحدة جادة في موضوع المحكمة الدولية حيث تمضي قدما في الحصول على دعم دولي لتمرير إقرارها في مجلس الأمن بمطالبة كل من روسيا والصين بعدم اللجوء إلى الفيتو، وهي بذلك تكون قد أرضت حكومة السنيورة التي تجد في هذا المطلب أساسا لا حياد عنه،

وفي نفس الوقت فتحت الطريق إلى موضوع الاستحقاق الرئاسي، حيث إن مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد وولش يقوم للمرة الثانية بالتحدث مع البطريرك الماروني مار نصر الله صفير عن واقع الساحة المسيحية، وكان قد أعرب عن امتعاضه من واقع الانقسام المسيحي،

إلا أن أهمية زيارته الأخيرة أنها تأتي بعد زيارة مهمة قام بها البطريرك إلى رئيس الجمهورية إميل لحود استمزج منه رأيه بخصوص المرحلة المقبلة. وكان رئيس الجمهورية قد أكد على انه لن يبقى يوما واحدا بعد انتهاء رئاسته إلا انه لم ينف إمكانية تعيين حكومة انتقالية إذا لم يجر الاتفاق على حكومة وحدة وطنية مما قد يؤدي إلى ازدواجية في السلطة، ومؤكدا تمسكه بسلاح المقاومة.

ويرى البعض أن زيارة وولش تأتي في سياق الدعم القوي لحكومة السنيورة وقوى 14 آذار حيث صرح أن انتخاب الرئيس القادم يجب أن يجري وفقا للدستور وفي إطار الديمقراطية الكاملة، ما فسر على انه تقوية لموقع الحكومة اللبنانية في مواجهة المعارضة.

وبمعزل عما يستطيع أن يحققه جديد السياسة الأميركية، فإن التخبط الذي تعيشه سياسة واشنطن في العراق وتلازم المسارين العراقي والفلسطيني، يعني أن الإدارة الأميركية في النهاية سوف تعطي أحد المسارين الأولوية،

وعلى ما يبدو فإن الوضع العراقي الآن أكثر أهمية لأنه يخدم المصالح الداخلية الآنية للإدارة الأميركية. فكيف سيكون تأثير ذلك على لبنان في هذه المرحلة وهل سيجري الاتفاق على رئيس يدير الأزمة إلى حين تغيير الظروف؟