انتقل النظام الرسمي العربي من حديث جهوري عن «الحلم القومي» طيلة العقود الأربعة الأخيرة من القرن المنصرم إلى كلام خافت خجول عن «الواقعية السياسية» منذ حرب الخليج الثانية، لكن هذا الخفوت وذاك الخجل لم يمنعا أصحاب هذا الترديد من أن يصنعوا لأقوالهم هذه مسارات متعددة من البرهنة والحجج التي تلبس في الظاهر ثوب المنطق،
بينما هي في حقيقة الأمر لا ترمي سوى إلى تبرير حال البؤس السياسي التي يعيشها العرب في هذه اللحظة التاريخية الفارقة، والتي جعلت الأمين العام للجامعة العربية يقول للقادة ذات يوم «نكون أو لا نكون»، أو «ألا هل بلغت اللهم فاشهد».
لا أحد ينكر ضرورة التفكير بواقعية في السياسة، المحلية والدولية معا، ولا يمكن تجاهل أن الشحن المعنوي الذي أراد حشد الجماهير خارج الواقع طالما انتهى إلى كوارث، في الحال العربية وغيرها. لكن هناك فارقا كبيرا بين الواقعية كمنهج سياسي عملي، قائم على حسابات دقيقة،
وإدراك وفهم عميقين للمعطيات الحياتية، يرمي إلى تحويل الخسائر إلى مكاسب، والضعف إلى قوة، وإلى استغلال الركائز والمقدرات المتاحة مهما كانت قليلة في حل المشكلات الموجودة، وبين الوقوعية التي تعني الارتكان إلى رد الفعل، والالتصاق بالأرض، وافتقاد الفاعلية،
والاكتفاء بدفع بعض الضرر، وإنجاز ما يفضي إلى مجرد الاستمرار في ظل ضعف بنيوي وهوان مشين، والتذرع إما بأن هناك مؤامرة تحاك ضدنا، أو أنه ليس في الإمكان أفضل مما يبذل من جهد وما يتحقق من نتائج، أو أن أي حركة إيجابية، حتى لو بدرجة خفيضة، ستنظر إليها القوى الكبرى في العالم على أنها تحدٍ وعناد، ومن ثم ستسعى إلى تأديب صاحب هذه الحركة.
والواقعية السياسية مدرسة ذات شأن في العلاقات الدولية، عليها قامت أمم وتكونت أمبراطوريات، وأراد لها منظرها ومفكرها الأول هانز مورجنثاو، أن تكون إطارا لتفكير عقلاني في حساب القوة وتعزيزها، ولم يكن يقصد منها، كما فعلنا نحن حاليا، أن يسوق العجز،
بدعوى أن الهامش المتاح، لا يوفر أي قدرة على التحدي، أو على الأقل المناورة، وإذا كان العرب يتعللون بضعف هيكلي لا يجعلهم قادرين على المواجهة، ويعتبرون هذا واقعية سياسية، فإن الواقعية، لا تقوم على حساب ركائز القوة المادية الملموسة، العسكرية والاقتصادية والتقنية، فقط،
بل تمتد إلى «القوة الناعمة»، التي تتمثل في الحنكة الدبلوماسية، وديمقراطية نظام الحكم، والثروة البشرية، التي يراكمها نظام تعليمي ناجح وعصري، يحقق بمرور السنين مكانة متعاظمة لأهل العلم والفكر والأدب، وقدرة مستمرة على إنتاج أشكال من الفن تنافس عالميا، وإفراز كوادر رياضيين يحققون إنجازات ملموسة على الصعيد الدولي.
إن التاريخ طالما شهد نماذج لدول أوجدت لنفسها مكانا على خريطة العلاقات الدولية بفعل حسن توظيفها لقدراتها الناعمة. فالدبلوماسيون المحنكون أمكنهم أن يجلبوا احترام العالم للهند في حقبة ما بعد الاستقلال، وقت أن كانت بلادهم، تعاني من ضعف اقتصادي وعسكري.
واليوم يلعب تقدم الهنود في تكنولوجيا الاتصالات الدور نفسه. والصورة الذهنية العامة عن العقلية اليابانية جعلت اليابان تحظى بمكانة عالمية، خاصة بعد استخدام هذه العقلية في خدمة الصناعة والإنتاج والإدارة المتطورة،
رغم أن اليابان دولة بلا ذراع عسكري قوي. والنظام القضائي لبلجيكا يمكنها من لعب دور دولي لا يتوافر لغيرها. والدور المحايد الذي تلعبه سويسرا جعلها مقصدا لحل الكثير من الصراعات والمشكلات الدولية، ومركزا لجذب رؤوس الأموال الطائلة.
وقائد كارزمي مثل نيلسون مانديلا جعل بلاده تحظى باحترام دولي سريعا بعد طول استهجان ونبذ إبان الحكم العنصري. ورئيس مثقف مثل ليوبولد سنجور لفت الانتباه إلى السنغال بشدة حين كان يحكمها. وفضلا عن تنامي اقتصادها
فإن وجود حاكم يمتلك رؤية دولية ولديه مواقف مشهودة في مقاومة الهيمنة واحترام الخصوصيات والاستقلالية مثل مهاتير محمد جعل لماليزيا دورا ملموسا، على الأقل على الصعيد الإسلامي. والأديب الكبير جابرييل جارثيا ماركيز الفائز بجائزة نوبل جعل العالم يعرف أن كولومبيا ليست مكانا فقط لتجارة المخدرات، وكرة القدم جلبت للبرازيل شهرة ومكانة،
لم يكن بوسعها أن تحققها من خلال الركائز الصلبة للقوة، كالاقتصاد والقدرات العسكرية وغيرها، وتحقق الأمر نفسه بالنسبة للكاميرون، لاسيما في قارة أفريقيا. وبوسع التاريخ الحضاري أن يجلب المكانة والاحترام الدوليين، شرط حسن توظيفه في خدمة الحاضر، وليس الاكتفاء بالوقوف عند حديث الذكريات عن المجد الحضاري في الأزمنة الغابرة.
لا يعني هذا أبدا إهمال الركائز الصلبة للقوة، فكثير من الدول السابق ذكرها، اهتمت ببناء اقتصادها وقدرتها العسكرية، على التوازي مع تعزيزها الركائز الناعمة للقوة، خاصة أن هناك تغذية مرتدة، أو تبادل منافع، بين جناحي القوة هذين.
فمع انتعاش حركة التصنيع العسكري وتعزيز معدلات النمو الاقتصادي وتنويع قاعدة الإنتاج، يتم رفع كفاءة الأفراد، من الناحية المهنية، باكتساب مهارات جديدة والإلمام بتقنيات حديثة. كما يجري على التوازي تعزيز القيم الاجتماعية الإيجابية، مثل الإنجاز والانتماء والتنافس والانخراط الخ، وهي جميعا من أوجه القوة الناعمة.
وحتى تكتمل عملية البناء لا يجب التوقف عن لعب أي دور دولي، أو العجز عن هذا الفعل، بدعوى أن الدولة لا تزال في مرحلة تشييد قدراتها، أو ترميم ما تداعى من قوتها. فالدولة التي تستكين لعجزها المؤقت أو تستسلم لحالة ضعف ألمت بها،
وتفضل الانسحاب من الأدوار المنوطة بها، تخسر مكانتها بسرعة لا يتصورها صانعو القرار بها، أو القائمون على تحديد مصيرها الآني والآتي، خاصة إذا كان هناك من يعول على هذه الدولة إقليميا أو دوليا في أن تمارس سياسات ناجعة في محيطها، وتشكل رقما في المعادلات الدولية لصالح قضايا تخدم مصالحها الوطنية وأمنها القومي.
والدول العربية الرئيسة، لديها من مصادر القوة الناعمة ما تجهله، أو تهمله، أو تتلكأ في استخدامه، لحجج واهية، أو تفشل في توظيفه لخلل في الإدارة أو وهن في الإرادة. ففضلا عن القوة البشرية غير المستغلة ومن بينها شخصيات حازت صيتا عالميا، توجد الطاقة الروحية المتمثلة في ميل الشرقيين عامة إلى التدين،
ويتوافر الدبلوماسيون المحنكون الذين أثبتوا، وقت أن تركت لهم حرية الحركة والاجتهاد، قدرة فائقة على كسب معارك التفاوض السلمي، وهناك خبراء في مجالات شتى، وحركة أدبية وأنشطة فنية عاشت نابضة عفية عدة عقود، قبل أن ترشح عليها سلبا الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة التي يمر بها العالم العربي.
ومن الأفضل أن يشرع العرب في استغلال ما لديهم من مصادر القوة الناعمة حاليا، وتعزيز الموفور منها مستقبلا، بدلا من الاستسلام لضعف قوتهم «الصلبة»، وانعدام طموحهم إلى أن يكونوا فاعلا دوليا، كما كان عليه الحال قبل عدة عقود، وإطلاق بعض أنظمتهم الرسمية على ذلك الوضع بهتانا وزورا «واقعية» مع أنه لا يعدوا أن يكون «وقوعية».
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة