هل نستطيع أن نقول دون مبالغة إن إدارة بوش لم تعد تعرف ما تريد بشأن العراق؟ من خلال جولات كبار مسؤولي الإدارة في المنطقة تتقدم واشنطن برسائل وطلبات متناقضة إلى الحكومات العربية، والمضمون العام لهذه الرسائل الأميركية يقوم على فرضية أن الحكومات العربية الصديقة للولايات المتحدة تمثل أغلبيات سنية في بلدانها، وبالتالي فإنه مطلوب منها أن تقدم دعما للسنة ضد خصومهم الشيعة في العراق.

نظرياً قد يبدو هذا الطلب الأميركي منطقيا.. لكن القصة مختلفة على الصعيد الواقعي التطبيقي، فمن الناحية التنظيمية فإن هناك صنفين من المجموعات السنية في العراق. الصنف الأول يتمثل في أحزاب وجماعات سياسية سلمية..

والثاني يتكون من جماعات قتالية تمارس مقاومة مسلحة، وليس واضحا تماما ما تريد واشنطن من الحكومات العربية في هذا الصدد على وجه التحديد والدقة؟ إذا كان المطلوب هو أن تتلقى الأحزاب السياسية السنية دعما من الحكومات العربية

فإن هذه الحكومات سوف تجد نفسها في مواجهة صدام مع الائتلاف الشيعي الحاكم في بغداد ـ وهو الائتلاف الذي تسنده الولايات المتحدة نفسها من خلال دعمها لحكومة نوري المالكي.. وبالتالي سيكون الموقف العربي مناقضا للموقف الأميركي.

من الناحية الأخرى يبرز تساؤل: هل من المعقول أن إدارة بوش تريد من الحكومات العربية أن تدعم جماعات المقاومة المسلحة السنية ضد ميلشيات الشيعة، وهي مقاومة موجهة أساسا وبالأصالة ضد قوات الاحتلال الأميركية؟.

وعلى أية حال فإنه إذا اتخذت الحكومات العربية موقفا داعما للسنة العراقيين على أساس طائفي سواء كانوا أحزابا أو جماعات قتالية فإن من شأن مثل هذا الموقف الانحيازي المذهبي أن يثير مشاعر عدوانية لدى الأقليات الشيعية في البلدان العربية مما قد يمهد لإشعال فتنة طائفية داخل هذه البلدان.

وعلى صعيد آخر تدعو إدارة بوش الحكومات العربية إلى تحشيد واصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة كجبهة أميركية ـ عربية في مواجهة إيران. لكن ليس من الواضح تماما ما إذا كان المطلوب من تشكيل هذه الجبهة دعم الموقف الأميركي المناهض للبرنامج النووي الإيراني أم أن المطلوب هو مواجهة مشتركة ضد النفوذ الإيراني في العراق.

في الحالة الأولى فإن الإدارة الأميركية نفسها لا تعرف على أي وجه تواصل مناهضتها للبرنامج النووي الإيراني فالضغوط الدبلوماسية وصلت إلى طريق مسدود بينما تتردد الإدارة في استخدام الخيار العسكري. أما من الناحية الأخرى

فإن الحكومات العربية لا تريد أن تبدو في نظر شعوبها وكأنها تعارض البرنامج الإيراني، بينما تلتزم السكوت تجاه الترسانة النووية الإسرائيلية، وفي كل الأحوال فإن الحكومات العربية تعارض بشدة أي عمل عسكري أميركي ضد إيران خشية اشتعال المنطقة بأسرها على طريق تداعيات أمنية خطيرة.

أما من ناحية المشاركة العربية في تحجيم النفوذ الإيراني في العراق فإن من حق القادة العرب ان يتعجبوا كيف تطلب منهم إدارة بوش اتخاذ موقف عدائي علني ضد إيران بينما ترتبط الولايات المتحدة بعلاقة تحالفية مع سلطة حكم عراقية شيعية موالية لطهران؟

هذا يعود بنا إلى السؤال المطروح: هل حقا لا تعرف إدارة بوش ما تريد بشأن العراق؟ هذا احتمال مستبعد، ما تريده الإدارة الأميركية هو ببساطة محاولة لتحويل فشلها في العراق إلى الدول العربية حتى تتمكن من الخروج من الورطة العراقية بشيء من الكرامة.