ما يحصل في غزة والعراق اليوم، غير مسبوق بظلمه ومأساويته. شعوب كثيرة وقعت تحت نير الاحتلال واكتوت بناره وشره لكن لم يسجل التاريخ أن بلداناً ومجتمعات وجدت نفسها مطحونة في آن واحد، بين نارين قاتلتين مدمرتين: نار الاحتلال، ونار الاقتتال الأهلي.
ان يأتي الحريق والخراب والنزف من الخارج، أمر لا عجب فيه؛ على بشاعته وما يستحقه من شجب وإدانة لكن ان يأتي من المسحوقين بالعدوان، ضد بعضهم البعض؛ عندئذ يكون أكثر بشاعة وشراسة وجديراً بدرجة أعلى من الإدانة والملامة. فهو إذ ذاك لا يكون أقل من تواطؤ موضوعي مع الاحتلال ضد الذات.
والأدهى أن القوى الأهلية المتذابحة في غزة والعراق عازمة على تعنيف حروبها على بعضها، وربما بقسوة ودموية تتفوق فيها على ممارسات عدوها المشترك. تفتك بحالها من دون رحمة. تقدم للمحتل خدمة مجانية، لا تقدر بثمن.
رئيس جهاز الشاباك الإسرائيلي يقول: إن أية حملة عسكرية يقوم بها جيش الاحتلال على قطاع غزة، مهما كانت ناجحة وكبيرة؛ فإنها لا تقوى على تحقيق نتائج أفضل لإسرائيل من نتائج الاقتتال الفلسطيني الداخلي! هل سمع الإخوان الفلسطينيون المنشغلون بنحر بعضهم البعض؟
الأنكى أنهم بعد كل جولة وبعد انهيار كل اتفاق وقف إطلاق نار-آخر اتفاق لم يصمد أكثر من دقائق ـ يسارعون إلى ترديد المعزوفة الممجوجة ذاتها، التي تزعم «الحرص» )!( على عدم إراقة الدم الفلسطيني، وعلى وجوب «رص الصفوف»)!
( في مواجهة العدو الصهيوني، وكأن الدم المسفوك ليس من هذه الأرض، وكأن الدعوة إلى رص الصفوف تعني تمزيق هذه الأخيرة برصاص الأخوّة اللدودة! وفي ذات الوقت يعلنونها حرباً مفتوحة، بين «فتح» و«حماس»، بل هي حرب، بالرصاص وبالتخوين والقنص والاقتحامات.
وفي نفس اللحظة تصطاد الطائرات الحربية الإسرائيلية فرائسها بالقنابل الموجهة وتحصد القتلى بالجملة. كما حدث أمس في أعقاب يوم التقاتل الأهلي الفلسطيني. إطباق تام على رؤوس وصدور الشعب الفلسطيني المذعور الواقع بين الدف والمسمار.
أما المشهد العراقي فهو على أفظع. صار السلاح الكيماوي من أطباق الموت اليومي، للتفجيرات التي تستهدف التجمعات الكبيرة. الغرض حصد قدر الإمكان أكبر عدد من الضحايا المدنيين، آخر وجبة من هذا النوع كانت بشاحنة تحمل غاز الكلور، أوقع انفجارها أكثر من 45 قتيلاً ومئة جريح.
وهي العملية الرابعة، بهذه المادة القاتلة. فيما تواصلت العمليات الأخرى، جرياً على العادة اليومية. وبقدر ما هو الوضع الأمني متدهور، بقدر ما هو الوضع السياسي متعثر. في أحسن أحواله مراوح؛ مع كل ما يؤدي إليه ذلك من مراكمة التعقيد والاحتقان واستطراداً التباعد واتساع مساحات الخلاف.
في الساحتين النكبة مزدوجة. وفي الحالتين الأبرياء ضحية الموت الانتحاري العبثي. والمشترك الآخر أن العالم يبدو في الحالتين، وكأنه في موقع المتفرج. وبالتحديد عالم الجوار الذي له مصلحة مباشرة في إطفاء الحريقين.
أو على الأقل التحرك الفعال في هذا الاتجاه. صحيح أن الكرة أساساً في ساحة العراقيين والفلسطينيين. لكن كليهما يبدو عاجزاً عن الخروج من عنق الزجاجة لوحده أو ربما أنه صار أسير ظروف لا تسمح له بمغادرة هذه الدوامة.