يشهد الجميع على الطفرة الاقتصادية التي حققتها دولة الإمارات. وهذه الطفرة لا تقف عند حدود الدور النفطي في تعزيز النمو الاقتصادي، بل تمتد لتشمل القطاعات غير النفطية التي سجلت نمواً مرتفعاً في السنوات الأخيرة، حتى أصبحت الإمارات إحدى أكثر اقتصادات المنطقة تنوعاً وازدهاراً. هذا الأداء الاقتصادي على الرغم من العوائد الكبيرة التي حققها، إلا أنه يجعل مجتمع الإمارات يواجه تحديات مصيرية ربما تنعكس بالسلب على اقتصاد الدولة، في مقدمة هذه التحديات ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم قدرة الأفراد على التكيف معها أو مواجهتها.

في دراسات سابقة تم نشرها، أشارت هذه الدراسات إلى أن الإمارات سجلت أعلى زيادة في تكلفة المعيشة بين الدول الخليجية جميعها، وأشارت دراسات أخرى إلى أن دخول الأفراد لا تزال متدنية مقارنة بالارتفاع المستمر في الأسعار، وارتفاع إيجارات المساكن والسلع والمواد الغذائية والاستهلاكية التي أصبحت تعاني منها الأسر.

واضطرت على إثرها للاقتراض من البنوك أو الأفراد الميسورين، أو اللجوء لطلب المساعدات من الجمعيات الخيرية، منذ يومين نشرت صحيفة «خليج تايمز» نتائج استطلاع يظهر أن معظم الوافدين في الدولة يعانون من التوتر والإرهاق والملل، وذلك بسبب الإحساس بعدم الأمان الوظيفي، وطول ساعات العمل، إضافة إلى ارتفاع تكاليف المعيشة.

لن نتوقف عند مسألة التوتر والإرهاق لأنها مسألة ليست حصرية على العمل في الإمارات، ولن نتوقف عند مسألة الأمان الوظيفي لأن دولة الإمارات اليوم ليست لديها مشكلة في هذا الشأن، لذا فإن هذه المخاوف ليس لها أسباب حقيقية، لكننا سنتوقف عند مسألة ارتفاع تكاليف المعيشة التي تؤرق المواطن والوافد معاً.

ويكفي أن نستمع لبرامج البث المباشر وما تبثه من شكاوى في هذا الشأن. وحسبنا أن نستمع في المجالس إلى شكاوى الجميع من عدم قدرتهم على تلبية متطلبات الأسرة الأساسية، خاصة وأن هذه الشكاوى لم تعد حصرية على ذوي الدخول المحدودة، بل امتدت لتشمل الميسورين الذين يقول أكثرهم إذا كنا نحن ميسورين ونشعر بالمعاناة فما بالنا بمن هم أقل منا؟

هذه التكاليف دفعت الناس للتكهن. فمنذ أيام وفي جلسة اجتماعية قالت إحداهن يبدو أن سياسة الإمارات تتجه الآن لجعل الإقامة في هذا البلد للأغنياء فقط بدليل ارتفاع الأسعار الذي أصبح يتحدى الرواتب. وبالطبع فإننا ومن واقع يجعلنا نثق بحرص الدولة على أن تكفل حياة آمنة لكل الطبقات والفئات فيها، فإننا نشكك في هذا التكهن الذي لو صدق ولو بنسبة واحد في المئة، فإنه سيؤثر كثيراً على استقرار وحياة غالبية مواطنينا، قبل الوافدين الذين قد يفكر بعضهم في الرحيل لأن تكاليف المعيشة أصبحت فوق طاقة الجميع.

ربما أثيرت قضية ارتفاع تكاليف المعيشة كثيراً، لكن المعطيات التي بين أيدينا تفرض تحركات ملحة لمواجهة غلاء المعيشة في الدولة لتحد من إفرازاته التي بدأت تظهر على الأفراد، وأصبحت تتسبب في ضغوط نفسية على المواطنين والمقيمين، وأصبحت تدفع العديد من الكفاءات الوافدة إلى خارج الدولة، كما أصبحت بعض الشركات المحلية والقطاعات تتأثر بهذه الارتفاعات التي أصبحت عبئاً إضافياً عليها.

قد يترتب على استمرار هذا الوضع انعكاسات سلبية تحد من جهود التنويع الاقتصادي، وقد تفقد مع الوقت في بعض القطاعات الاقتصادية قدرتها على التنافسية، وربما يؤثر ذلك أيضاً على تطلعات الدولة في أن تصبح مركزاً للأعمال والاستثمار. تحديات كثيرة نأمل التغلب عليها ومواجهتها من خلال خطط وزارة الاقتصاد والجهات الأخرى التي نأمل أن ترى النور قريباً.

maysaghadeer@yahoo.com