للتربية والتعليم في أي مجتمع إنساني أهداف تتراوح بين المعنوي والسلوكي والتعليمي، أهداف يريد واضعو السياسة التعليمية تحقيقها من خلال منظومة كبيرة من الفعاليات والأدوات والموارد، من خلال المناهج التعليمية، والمعلمين، والمدارس وسلسلة طويلة من الإجراءات والأنشطة المتنوعة، ومن أهم الأهداف ـ برأيي الخاص والمتواضع ـ هو تنمية مهارة التفكير وإبداء الرأي.
وما لم تنجح التربية في تخريج أجيال تفكر جيداً فيما يعرض عليها، وفيما تتعرض له، وتناقش هذا المعروض بمنطق وأدوات المناقشة، ثم تقبل أو ترفض بناء على أسس وإلا فإن الناتج ليس سوى تروس في عجلة العولمة نرضي بها سطوة سوق وجشع أصحاب الشركات والمصانع ورؤوس الأموال، ليس سوى أجيال مستسلمة لأي منطق ولأي ثقافة تفرض عليها!!
أن مما يذكره تاريخ التعليم في وطننا العربي، تلك التعليمات التي كان يمليها وزير التعليم في مصر بداية عهد الاحتلال البريطاني، حين أصرت بريطانيا على أن يكون وزير التعليم تحديداً في مصر انجليزياً، فكان تأكيده على المفتشين، وبالتالي تعليمات هؤلاء لمديري المدارس أن يهتموا بعملية التلقين لا الشرح والتوضيح.
وأن يشجعوا ملكة الحفظ عند التلاميذ والطلاب وأن يكبحوا جماح الرغبة عندهم نحو الفهم والمناقشة، وعليهم حفظ النص وممنوع عليهم مناقشته أو مساءلته أو معارضته بأي حال سواء كان هذا النص دينيا أو سياسيا، أو موروثا ثقافيا، ويكفي بريطانيا ان تنجح في تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي الخطير لتجعل التعليم ملقى في عصور الظلام وكهوف التخلف لمئات السنين!
لقد انتقلت العدوى الى بقية الدول العربية فيما بعد، كان ممنوعا أن تناقش الناظر، كان محرما أن تخرج على التعليمات، كان مدعاة للعقاب أن تعارض أوامر المدرس أو الناظر، أو الخطاب الأسري أو المجتمعي أو المدرسي.. احفظ ونفذ واسلم ثم نقطة في اخر السطر! وفيما بعد ابتلينا بالسوق الحرة والعولمة وآفات الانفتاح التي جعلتنا نفقد سيطرتنا كمواطنين على موازين الديمغرافيا وسوق العمل والوظيفة.
كما ابتلينا بأشخاص قادوا التعليم سنة بعد سنة نحو الضعف ان لم نقل التدهور، ما جعل الضجيج يتحول صراخا حول عجزه عن تحقيق تطلعات المجتمع وخاصة فيما يلي متطلبات السوق!
اشتغلت عجلة التعليم منذ فترة قصيرة بهم الارتقاء بالمخرجات التعليمية في المرحلة الثانوية بحيث تكون قوية بما فيه الكفاية في علوم الكمبيوتر واللغة الانجليزية، لان هذا ما يراه السوق فألغيت مواد دراسية وأهملت أخرى، وأدمجت مراحل وهمشت جوانب (كدور المكتبة وعدم توفر أمناء مكتبات) كل ذلك لندفع للسوق بمخرجات مؤهلة.
. ثم لا يهم ان كانت تفكر بمنطق، تحلل ما تشاهده، تفهم جيداً وبتبصر وبصيرة، تعترض، تناقش، تستوضح، أو تتخذ موقفاً مبنياً على حق ومنطق وأسس سليمة.. لان التربية والتعليم ما عادت معنية بهذه الجوانب الخطيرة تماماً.. ومن يبحث في مناهجنا ونوعية معلمينا يدرك هذه الحقيقة.
