تفوق سلاح الفلتان الأمني خاصة في قطاع غزة على سلاح الاحتلال في إيقاع ضحايا فلسطينيين، فخلال الشهر الماضي سقط 21 فلسطينيا برصاص قوات الاحتلال وسقط 26 فلسطينيا برصاص الفلتان والاقتتال الداخلي. وهذا يعني ان الفلتان صار يهدد المجتمع الفلسطيني أكثر من الاحتلال من حيث نشر الرعب وتدمير الممتلكات وإزهاق الأرواح.

وقد شهد قطاع غزة خلال الأسبوع الماضي اجتماعات مكثفة بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء إسماعيل هنية وقادة فتح والأجهزة الأمنية لحسم مسألة الصلاحيات الأمنية ووضع جهاز الأمن الوقائي تحت تصرف وزير الداخلية وهو ما لقي معارضة من رشيد أبو شباك قائد الوقائي الذي دخل في اشتباكات دموية مع قوات حماس في الفترة الماضية.

وكان ابو شباك بصفته مديرا للأمن الداخلي يقع تحت مسؤولية الرئاسة وليس وزير الداخلية ومن مآخذه على وزير الداخلية انه خاضع لقيادة حماس بل محاصر من مسؤولين في مكتبه كانوا في عهد وزير الداخلية السابق سعيد صيام وهم الذين يسيرون شؤون الوزارة. لكن الرئيس الفلسطيني كعادته خضع لمطالب حماس وقال لأبو شباك ان الداخلية من نصيب حماس ولا داعي للجدل.

وكان وزير الداخلية هاني القواسمي برر تقاعسه عن البدء بتنفيذ الخطة الأمنية بعدم وجود صلاحيات له على أجهزة الأمن المختلفة التي وضعها ابو مازن تحت صلاحيات الرئاسة، لكن حتى الآن لم تبدأ ما تسمى بالخطة الأمنية، بل زادت حوادث القتل والاعتداء على الممتلكات وحرق المتاجر ووصل الأمر إلى إطلاق النار على احتفال في مدرسة ابتدائية في رفح بحجة ان الاحتفال كان مختلطا بين الأطفال من الجنسين.

وهذا أشار إلى ولادة ميليشيا دينية جديدة اتهمت بالحادث الذي أودى بحياة حارس وجرح آخرين وتضاف هذه الجماعة إلى جماعات أخرى نمت وترعرعت في ظل الفوضى في غزة وتقاعس السلطة عن فرض القانون لتنضم إلى عشرات الميليشيات الفصائلية والعشائرية.

حيث باتت العائلات الكبيرة تشكل ميليشيات خاصة بها وتشن هجمات على الممتلكات العامة كما حدث عندما هاجمت إحدى العائلات مقر شركة الاتصالات وأحرقته بعد مشادة بين احد مسؤولي الشركة ومشترك فصل هاتفه لعدم دفعه الفاتورة. لقد بات الوضع في غزة أشبه بالصومال أو أفغانستان من حيث وجود أمراء للحرب لهم مصالحهم في استمرار حالة الفلتان...

فهناك عائلات وميليشيات لها مصالح في بقاء الأنفاق بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية لتهريب الأسلحة والمعدات والأشخاص والمجرمين الفارين والمخدرات والبضائع وغيرها، حيث ان كل نفق يدر على الميليشيا السياسية أو العائلية ما لا يقل عن مليوني دولار سنويا.

وفي هذا السياق فان الجماعة المسماة جيش الإسلام التي تختطف الصحافي البريطاني الن جونستون هي ميليشيا عائلية همها المال ولعل إدراجها مطالب مثل الإفراج عن أبي قتادة الفلسطيني المتهم بالانتماء للقاعدة أو غيرها في بريطانيا أو العراقية ساجدة التي اتهمت بالمشاركة في تفجيرات فنادق الأردن هي مجرد مطالب تمويهية ولا علاقة لها باختطاف الصحافي البريطاني.

ففي غزة يختلط الحابل بالنابل والمجرم بالمناضل والعميل بالمقاتل ومع استمرار صمت السلطة والحكومة عن التجاوزات وحالة الفلتان فان ظاهرة العنف الداخلي تزداد رقعتها ويصعب القضاء عليها. فالحرس الرئاسي مثلا وصلته ربع مليون طلقة رصاص فيما ان ميليشيا عائلية واحدة اشترت 2,5 ملايين رصاصة. فكيف يمكن محاربة ميليشيات وخارجين عن القانون مدججين بالسلاح بينما أجهزة الأمن تفتقر إليه؟.

الوضع الفلسطيني الداخلي وصل إلى الحضيض ويبدو ان المواطن الفلسطيني الذي يئن من شحة الموارد وانعدام الأمن ينظر بأسى إلى تراجع قضيته إلى الوراء في خضم الصراع الداخلي لأن وضعا كهذا لا يمكن ان يفرز أوضاعا مريحة بالنسبة للحراك السياسي الدولي.

فالحصار المالي المفروض ما زال قائما ولم تستطع جولات الرئيس الفلسطيني ووزرائه في فك الحصار ولم يستطع أيضاً الزام الفصائل بالتهدئة ووقف إطلاق الصواريخ على التجمعات اليهودية المحاذية لغزة حيث يخشى ابو مازن من ان تعمل إسرائيل على إقامة شريط عازل داخل غزة لمنع وصول الصواريخ إلى أراضيها وهذا يعني إعادة احتلال أغلبية أراضي قطاع غزة.

ربما يتحمل أبو مازن كل هذه المشاق منفردا بهدف إخراج غزة من حالة الفوضى ما يتيح له التحرك سياسيا على المستوى الخارجي دون منغصات داخلية. لكن على المستوى الخارجي لا يوجد ما يمكن ان يقال عنه انه حراك دبلوماسي.

فالوزيرة الأميركية كوندوليزا رايس التي تعهدت بتحريك المسار الفلسطيني الإسرائيلي وزارت المنطقة ثلاث مرات ألغت زيارتها في منتصف الشهر الجاري بسبب الفلتان السياسي الداخلي في إسرائيل نتيجة لنشر تقرير فينوغراد حول الفشل الإسرائيلي في حرب لبنان وهو ما أدى إلى إضعاف رئيس الوزراء ايهود اولمرت الضعيف أصلا، كما الغي اللقاء الأسبوعي المقرر بين عباس واولمرت وهو ما عول عليه الرئيس الفلسطيني في محاولاته القفز إلى بحث موضوعات الحل النهائي التي يرفض الإسرائيليون طرقها.

فالتفكير السياسي الإسرائيلي ما زال متوقفا عند حدود الأمن ولا يقترب من الحديث عن أية تسوية وما زال ذلك هو حدود التفكير الأميركي أيضاً حيث عرض الأميركيون خطة اختيارات التنفيذ وكلها إجراءات أمنية ورفض الجيش الإسرائيلي معظمها وهي خطة لا تختلف عن خطة تينيت التي عرضت إبان حكم ياسر عرفات ولا تتحدث عن محادثات سياسية أو مفاوضات. فالأفق السياسي لم ينفتح بعد.

وقد ماطل الإسرائيليون مطولا منذ عقد القمة العربية وإعادة إطلاق المبادرة العربية للرد عليها وأرسلوا وزيرة خارجيتهم إلى القاهرة للقاء وزيري خارجية مصر والأردن. وكان الأردن بدأ حملة دبلوماسية وسياسية لتسليط الضوء على المبادرة العربية واستقبل العاهل الأردني وفودا أميركية وإسرائيلية وفلسطينية على مستويات عدة وشرح لهم أهمية إيصال رسالة السلام العربية إلى الإسرائيليين كشعب لتحريكه نحو السلام وإقناعه بصدق النوايا العربية لكن الحراك السياسي لم يبدأ بعد.. والوضع الإسرائيلي لم يستقر.. والوضع الفلسطيني لم يستقر بعد.. والساحة مفتوحة لكل الاحتمالات السيئة.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين