في الماضي القريب كان الجميع يعبر عن الأسف لاقتتال أخوة السلاح في غزة، ويناشد بحق قداسة القضية الفلسطينية جميع الاطراف ألا تصل الى هذا الحد من الاساءة للشعب الفلسطيني وتضحياته الكبيرة، حتى إذا ما تم توقيع اتفاق مكة بين حركتي فتح وحماس وعلى مقربة من الكعبة المشرفة ظننا ان احدا لن ينقض العهد ويسيل الدماء إلا ان ما يجري في غزة حاليا يدفعنا الى الاعتقاد بأن الحركتين وقعتا في الشرك الذي نصبه اعداء شعب فلسطين لكي يدمروا انجازه ويقضوا على فرصته في اقامة دولته المستقلة.
ومهما كانت المبررات فان الاقتتال يعني ان القدرة على التفاهم تحت اي عنوان اخلاقي او سياسي ليست موجودة في ذهن طرفي المعادلة الفلسطينية ، لأن الصراع على السلطة هو الذي يجعل كل العوامل الاخرى المتصلة بمستقبل الشعب الفلسطيني مهملة وغير ذي قيمة، وإلا ما معنى ان تشعر حماس مثلا ان اجراءات مواجهة الفلتان الأمني هي مؤامرة عليها، وان تتصرف حركة فتح كذلك من منطلق انها تمثل الشرعية الامنية، وان تجد اجهزة الأمن الوطني بأنها جزء من صراع بين رئاسة السلطة ورئاسة الحكومة، والأغرب من ذلك كله ان العناصر المسلحة من الطرفين مستعدة ومتحفزة لإطلاق النار دون وازع.
من المؤسف حقا ان ننظر الى ما يجري في غزة ونشعر بأن الإدانة لا تكفي وان المناشدة لا تفيد بل ان نقف مترددين في التذكير بما لا يجوز نسيانه أصلا بشأن حرمة الدم الفلسطيني، أو العار الذي يصيب اولئك الذين يطلقون على بعضهم النار في الوقت الذي كانت فيه القوات الاسرائيلية تشنّ هجوما على رفح وتقتل من أبناء شعبهم على مقربة من قتالهم المشين الذي ذهب ضحيته امس سبعة وثلاثون قتيلا وما يزيد عن مئة جريح.
ومع أننا نتوقع ان تنجح بعض المساعي الحميدة نسبيا في وقف اطلاق النار ، وان يكون لقرار حركة حماس وقف القتال من جانب واحد مؤشر على امكانية وضع حد لهذا النزيف إلا ان التناقض بين فتح وحماس بات مشكلة لا يمكن تجاوزها بمجرد سحب المسلحين من الشوارع أو جلوس الطرفين على طاولة الحوار، ذلك ان ما يجري هو بداية صراع مسلح يعتقد كل طرف انه سيقوده للتخلص من الطرف الآخر من دون التفكير في النتائج أو الثمن الذي يدفعه الشعب الفلسطيني في هذا الصراع على سلطة وهمية وتحت احتلال قاس لا توجد مؤشرات على قرب انتهائه رغم المبادرات والتحركات التي تشهدها المنطقة حاليا.
ذلك هو ما يمكن ان نسميه بالانتحار الجماعي أو السقوط المدوي للقيادات الفلسطينية التي تسمح لنفسها ان تحول نواة قوة أمنية الى مليشيات وفرق حماية شخصية وحتى عصابات مسلحة تضج غزة من افعالها حتى من دون وجود مواجهات كالتي رأيناها خلال الايام القليلة الماضية، ولا يظن أي من الطرفين ان احدا في العالم العربي والاسلامي يمكن ان ينحاز لوجهة نظر احدهما ما دام السلاح هو اللغة التي يتحدث بها هؤلاء مع بعضهم البعض ، فما أهمية الكلام عن سلطة وعن حكومة وعن تنظيم حياة وشؤون الشعب الفلسطيني إذا كانت الاجهزة الامنية التي يفترض انها تصون أمن ذلك الشعب هي التي تساهم كما القوات الاسرائيلية في قتل ابنائه على هذا النحو من الاستخفاف بالمأساة المريرة التي يعيشها حتى في أيامه العادية.
إن الخسارة فادحة بكل المقاييس، ومع ذلك فنحن نأمل ان يسمع العقلاء صوتهم من الداخل وأن تبادر الدول الشقيقة مرة اخرى لوقف الاقتتال أولا ومن ثم البحث عن حلول جذرية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني لصالح شعبه الصابر والمكافح وقبل ان يسقط سقفه على رأس الجميع.