حتى الآن لا تزال مفاهيم الجودة قاصرة على النخبة من المشتغلين بها، ولم تتحول بعد إلى أن تصبح ثقافة للمواطن العادي. ولا يمكن من وجهة نظرنا تطبيق الجودة بطريقة صحيحة في دولتنا الاتحادية من دون أن تنتشر ثقافة الجودة بين سائر المواطنين أنفسهم.

فكما نقول دائماً إن المواطن هو حجر الزاوية في المدينة الفاضلة، والفرد هو أساس المجتمع، فإذا كمل الأفراد كمل المجتمع المكون منهم، ولكل هذا فلا يمكن أن تضع دولة الإمارات العربية المتحدة نفسها على طريق الجودة العالمية، من دون أن يكون المواطن نفسه حاملاً لثقافة الجودة.

والحديث عن الجودة الشاملة حديث طويل، وفي المقال السابق تبين لنا أنه لا وصول إلى أي هدف كبير في المدينة الفاضلة من دون معايير للأداء تحقق أفضل طريقة للأداء، ومن ثم نصل إلى أفضل نتيجة، فشعار الجودة الدائم في أية مدينة فاضلة هو «أن نعمل الأشياء بطريقة صحيحة من أول مرة وفي كل مرة»، وهذا ما نتطلع إليه في دولتنا الاتحادية، ولكن التطلع وحده لا يكفي، بل لابد من تطبيق الجودة الشاملة حتى يمكن أن نصل يوماً ما إلى أن تكون مدن الإمارات من المدن الفاضلة.

ففي الوقت الحاضر أصبح نظام الجودة سمة أي مدينة تريد أن تصبح في ركاب المدن المتطورة والمتقدمة، ويقوم نظام الجودة الشاملة على مشاركة جميع أعضاء المؤسسة أو الدائرة الحكومية أو الوزارة الاتحادية، ويستهدف النجاح قصير وطويل المدى في الوقت نفسه، وتحقيق منافع للوطن والعاملين في المؤسسة أو الدائرة أو الوزارة الحكومية.

ولا سبيل إلى ذلك من دون تطوير أداء جميع العاملين عن طريق تنمية روح العمل التعاوني الجماعي وتنمية مهارات العمل الجماعي بهدف الاستفادة من كل الطاقات وكل العاملين بالمؤسسة أو الدائرة أو الوزارة الحكومية. فضلاً عن التواصل مع الجهات الحكومية والأهلية التي تطبق نظام الجودة، والتعاون مع الدوائر والشركات والمؤسسات والوزارات التي تعنى بالنظام لتحديث برامج الجودة وتطويرها بما يتفق مع النظام العام.

والجودة الشاملة لها مراحل، لابد من أن نقف عليها، لأنها مراحل مهمة لأي شخص يريد أن يفكر بطريقة سليمة، وهذه المراحل مهمة للموظف الصغير أو الكبير، مثلما هي مهمة للقيادي، بل أراها مهمة لكل فرد يريد أن ينجح في عمله، وأن يفهم ما يدور حوله، فكل فرد لا ينبغي أن يكون فرداً من قطيع، بل عليه أن يفهم ما يدور حوله ويفكر بطريقة سليمة في حياته أو في عمله أو في مشروعه.

ومراحل تطبيق الجودة (8) مراحل، أولها مرحلة التقييم، ويتم في هذه المرحلة التعرف على الوضع القائم من حيث الإمكانيات المادية والبشرية والطريقة التي يطبق بها النظام، وثاني مراحله هي تطوير وتوثيق نظام الجودة، وفي هذه المرحلة يتم تطوير النظام من خلال تنفيذ خطة تطويرية شاملة لاستيفاء متطلبات المواصفة «الأيزو أو غيرها» من خلال إنشاء دليل الجودة وإجراءاتها وتعليمات العمل وخططه من أجل ضمان الحصول على نظام الجودة المطلوب.

وذلك بالتعاون مع منسوبي المؤسسة الخاصة أو الدائرة الحكومية أو الوزارة الاتحادية ومن ثم اعتماده من الإدارة العليا، وثالث مرحلة هي تطبيق نظام الجودة، ويتم في هذه المرحلة تطبيق نظام الجودة على المؤسسة الخاصة أو الدائرة الحكومية أو الوزارة الاتحادية من أقسام ووحدات إدارية وفنية، وتقوم المؤسسة أو الدائرة أو الوزارة الحكومية المؤهلة وفريق العمل بالمتابعة والتأكد من تنفيذ وتطبيق إجراءات وتعليمات نظام الجودة.

أما المرحلة الرابعة فتتضمن إعداد برامج ومواد التدريب، حيث تقوم المؤسسة أو الدائرة أو الوزارة الحكومية في هذه المرحلة بإعداد مواد التدريب والتعليم لمختلف المستويات الإدارية خلال فترة تطبيق النظام مع توزيع هذه المواد على جميع العاملين في المؤسسة أو الدائرة أو الوزارة الحكومية للاطلاع عليها تمهيداً للتدريب عليها.

وفي المرحلة الخامسة، أعني مرحلة التدريب، يتم تدريب مجموعة من المنتسبين إلى المؤسسة الخاصة أو الدائرة أو الوزارة الحكومية على نظام الجودة «الايزو أو غيرها» وتطبيقاته ويقوم هؤلاء بتنفيذ التدريب لاحقاً لبقية العاملين ويركز التدريب على الطريقة المثلى لاجراء المراجعة الداخلية.

وفي المرحلة السادسة، يحين وقت المراجعة الداخلية، وتتم عن طريق فريق العمل في المؤسسة أو الدائرة أو الوزارة الحكومية المطبق بها نظام الجودة، وتهدف المراجعة الداخلية إلى التأكد من قيام جميع أقسام المؤسسة أو الدائرة الحكومية بتطبيق الاجراءات والتعليمات الخاصة بالنظام واكتشاف حالات عدم المطابقة وتعديلها في ضوء متطلبات المواصفة العالمية «الايزو وغيرها»، تليها مراجعة الإدارة العليا للتحقق من تطبيق النظام وتفعيله ميدانياً.

ثم تأتي مرحلة المراجعة الخارجية، وهي المرحلة السابقة، حيث تقوم الجهة المانحة للشهادة بالمراجعة الخارجية من استيفاء نظام الجودة لمتطلبات المواصفة واكتشاف حالات عدم المطابقة واتخاذ الاجراءات التصحيحية والوقائية لمعالجتها. وأخيراً تأتي مرحلة الترخيص، وهي المرحلة الثامنة، حيث انه بعد اتمام المراجعة الخارجية من الجهة المانحة للشهادة يتم اتخاذ القرار بشأن منح المؤسسة أو الدائرة الحكومية شهادة الجودة العالمية «الايزو أو غيرها» في حال المطابقة التامة للمواصفة.

وربما لا يعرف كثير من القراء ان نظام الايزو بأنواعه المختلفة ليس هو النظام الوحيد في العالم، فهناك أنظمة أخرى بالغة الأهمية، وكما قلنا في مطلع هذا المقال، لا يمكن تطبيق الجودة بطريقة صحيحة في دولتنا الاتحادية دون ان تنتشر ثقافة الجودة بين سائر المواطنين أنفسهم من أبوظبي وحتى الفجيرة، فالإنسان الفرد هو وحدة البناء في أي جزء من أجزاء الدولة الاتحادية، سواء كان على مستوى الوظائف الصغيرة أو على مستوى الوظائف الكبيرة أو القيادية.

بل ان ثقافة الجودة مهمة لكل صاحب عمل أو مشروع صغير أو كبير. والجودة رغم أنها نظام إداري في الأساس، إلا إني أتطلع إلى اليوم الذي يمكن ان تصير فيه نظام حياة كل المواطنين في كل أرجاء المعمورة الاتحادية.

جامعة الإمارات