في بلدان العالم الثالث المبتلاة بأوبئة الاستبداد والفساد مع التخلف الحضاري ليس مثار استغراب أن المواطن العادي يفقد الثقة بالمؤسسات العامة كافة، الحكومية وغير الحكومية، من طاقم الحكم والأحزاب السياسية والأجهزة الأمنية إلى إدارات المستشفيات والمدارس الخاصة. ولكن أليس غريباً أن هذه الظاهرة أخذت في الانتشار في البلدان الغربية المتقدمة؟

مؤخرا نشرت مجلة «الايكونومست» اللندنية الوقورة تقريراً عن هذه الظاهرة هو مبلغ علمي الأول من نوعه.

استهلت المجلة تقريرها بالتوقف عند قرار رئيس الحكومة توني بلير بمغادرة الحكم والحياة السياسية. يقول التقرير: ان بلير لدى وصوله إلى السلطة تعهد بإعادة الثقة في جهاز الحكم بإعلانه «عقداً مع الشعب البريطاني».والآن وبعد عشر سنوات فان استطلاعاً نظمته صحيفة «ديلي تلغراف» يفيد بأن شخصا واحدا فقط من بين كل خمسة أشخاص في بريطانيا يعتقد ان بلير جدير بالثقة.

لم يذكر التقرير بالتحديد ان بلير فشل في نيل ثقة شعبه لأنه تعامل مع الرأي العام بأسلوب الكذب الفاضح، حين قرر مشاركة جورج بوش في غزو العراق بناء على أسباب ثبت لاحقاً أنها ملفقة بنسبة مئة في المئة. لكن هذا في الواقع هو الاستخلاص النهائي الذي ينطبع في ذهن قارئ التقرير.

غير أن التقرير يقول بوضوح: إن ثقة المواطن البريطاني العادي قد تلاشت في أي مرفق من مرافق الحياة العامة في بريطانيا.. ومن يقومون على إدارة هذه المرافق بمن في ذلك الأطباء في المستشفيات الخاصة الذين يبتزون المرضى مالياً والمدرسون الذين يبيعون أوراق الامتحانات لطلاب نظير مبالغ نقدية، وضباط الشرطة الذين يتلاعبون في البلاغات الجنائية والقضايا.

ليس هذا فحسب، فالمواطن فقد الثقة أيضا في قادة النقابات الذين يتواطؤون مع أصحاب الشركات ضد جمهرة الأعضاء النقابيين. بل وإن المواطن لم يعد يثق حتى في المنظمات الخيرية بسبب تواتر سوء استغلالها لما تحصل عليه من أموال التبرعات.

ومما يضاعف من الاستغراب ما يفيد به التقرير من ان الظاهرة لا تقتصر على بريطانيا.. فهي تشمل بلدانا أوروبية أخرى إضافة إلى الولايات المتحدة. فكما يفيد استطلاع رأي فان هناك 60 في المئة من الشعب الأميركي أعربوا عن سخطهم ضد نظام الحكم و60 في المئة آخرين قالوا ان نوابهم المنتخبين لا يعبؤون بشؤون وهموم الناخبين. وفي استطلاع آخر فان 15 في المئة فقط من الأوروبيين يثقون في برلماناتهم وحكوماتهم وأحزابهم السياسية.

والسؤال هو: ما هو تعليل هذه الظاهرة في البلدان الغربية؟

الايكونومست طرحت السؤال على أحد أساتذة الاقتصاد المرموقين في «كلية لندن للاقتصاد» ذات السمعة الأكاديمية الطيبة، وبإيجاز حاسم يعزو الأستاذ الظاهرة إلى ما أطلق عليه «ثالوث الرأسمالية والعولمة وانتشار الفردية».

وبكلمات أخرى أنه اكتمل في المجتمعات الغربية تحكم الأنانية في كافة الشرائح الطبقية انطلاقا من تقديم الخلاص الفردي والنفعية الذاتية على أي قيم أخلاقية.. وهو المبدأ الذي يقوم عليه ويحض عليه النظام الرأسمالي، وتكون النتيجة ان الجميع يخادعون الجميع في سبيل اللهاث وراء شراهة الاستحواذ والتملك.

ما هو إذن الفارق الجوهري الأعظم بين مجتمعات العالم الثالث ومجتمعات العالم الأول إذا كان الأفراد في الحالين يتعاملون مع بعضهم البعض وفق شريعة الغاب؟