لقد طفح الكيل مع إصرار المتقاتلين في غزة، على الإمعان في سفك الدم الفلسطيني، بل على دفع الأوضاع نحو هاوية الانتحار الفلسطيني. في يوم الاغتصاب والنكبة، بدلاً من أن تكون المناسبة فرصة للذكرى والتكريم لدماء الشهداء، الذين سقطوا على أيدي الاحتلال الإسرائيلي، ولتجديد العهد والالتزام بتصليب الوحدة الوطنية لمواصلة المسيرة؛ وإذا بها تتحول إلى محطة يسيل فيها المزيد من الدم الفلسطيني، على أيدي الشركاء في المصيبة.
تزامن بحد ذاته، ينطوي على حقائق قاسية، لاسيما وأنه ليس صدفة أو تطوراً معزولاً. حصاده من القتلى ـ أكثر من 12 في أقل من 24 ساعة، ووصل إلى 18 في 48 ساعة، مع عشرات الجرحى ـ أتى في امتداد مواجهات شبه متواصلة منذ تشكيل الحكومة، ناهيك عن فترة السنة التي سبقتها.
أطول اتفاق لوقف إطلاق النار؛ لم يصمد، خلال الأيام الأخيرة، أكثر من ساعات قليلة. لم يعد من معنى لمثل هذا الاتفاق. كما سقطت معه مفردات ومقولات، أفرغها الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني من محتواها.
شعار «تحريم سفك الدم الفلسطيني»، بات جملة خاوية. ومثله الكلام عن «خط أحمر»، صار كله أخضر ناهيك بترديد عبارات «هدنة» و«خطة أمنية» وعقد «لقاءات مشتركة» من أجل «احتواء» الوضع، وغير ذلك من عناوين تتكرر كلما «لعلع» الرصاص بين الأخوة وأخذ حصته من الضحايا. ناهيك بالترويع الذي ينزله بشارع منكوب باحتلال يطارده كيفما استدار وبنار الأخوّة اللدودة، التي تكويه ليل نهار.
كل المحاولات لوضع حد للحالة المفجعة باءت بالفشل. يقولون ويرددون إن المشكلة هي مشكلة «فلتان أمني» في الأساس! لكن هل هي فعلاً كذلك؟ وإذا كانت كذلك فكم اجتماع أمني واتفاق ووقف نار ووساطة ومناشدة، تحتاج للتصدي لها؟ إذا كان الجميع يعرب عن رغبته وعزمه على وقفها فلماذا تستفحل وتستعصي إلى هذا الحد مشكلة تقنية من هذا النوع؟ وحتى لو كان الفلتان هو العلة، فلماذا الساحة مفتوحة أمامه ولماذا تعذر ضبطه؟ أليس لأن وراء الأكمة ما وراءها وما هو أبعد من مجرد فوضى أمنية؟
أسئلة يفرضها منطق التداعيات الجارية على الأرض. بعض الأجوبة المتداولة، من هذا الخندق أو ذاك، بأن في الساحة من لا يريد التوافق بين الفصيلين وهو يعمل على إفشال حكومة الوحدة، طبعاً إسرائيل على رأس الساعين في هذا الاتجاه. العرقلة و«الفركشة» لكل ما يصب في تعزيز الوضع الفلسطيني الداخلي هي تمارسهما باستمرار وبكل الوسائل. هذه بديهية مسلّم بها، لكن وبصراحة، هل تحرر الجسم الفلسطيني من أعطابه الذاتية؟ هل صفت النوايا حقيقة وانعقد العزم على الإقلاع بحكومة الوحدة والائتلاف؟
الوضع الفلسطيني عليه مكاشفة الذات، الظرف الراهن عصيب ودقيق، بل هو مهدد بنكبة أشد وأدهى، لعبة التراشق بالاتهامات، صارت ممجوجة، إسرائيل تراكم المكاسب والساحة الفلسطينية تنكب بالمزيد من الخسائر، لقد آن أوان وضع النقاط على الحروف.