بعد معاندة طويلة وبعدما وصلت لعبة الشروط والشروط المضادة إلى نهايتها؛ توافقت واشنطن وطهران على عقد لقاء ـ مفتوح على لقاءات ـ في بغداد. خيار مطروح منذ زمان. ابتعد عنه، عبر المطالب التعجيزية، كلا الطرفين. كل لحساباته، المحلية والإقليمية، أخذت الأحداث والتطورات دورتها.
أخيراً رست على معادلة متداخلة معقدة، رأت فيها العاصمتان ما يحمل على ضرورة إعادة النظر بعزوفهما عن اللجوء إلى هذا الخيار، وكان قرار الحوار، وبذلك انتهت مرحلة الشكل، في جولة العض على الأصابع بين إيران وإدارة الرئيس بوش، والآن يستعد الجانبان للدخول في طور البحث في المضمون، مهمة لن تكون ميسورة.
ولا بالضرورة واعدة؛ في ضوء الخلفية التي تحكم علاقاتهما، لكن على الأقل هي تمثل بداية صحيحة ومحاولة، قد تساعدها الظروف على تطوير ديناميتها الكفيلة ببلوغ خواتم إيجابية. ومثل هذا الاحتمال وارد مهما كانت نسبته ضئيلة. أو مهما بدت كذلك الآن، تؤشر إلى ذلك مقدمات واستحقاقات؛ من شأنها أن تكون قد لعبت دوراً أساسياً في توافق الجانبين على اللقاء.
من المؤشرات كلام الوزيرة رايس عشية مؤتمر شرم الشيخ الأخير، عن استعدادها للاجتماع بنظيرها الإيراني. والمعلوم أن مثل هذا التطور المنتظر قد صرف النظر عنه في آخر لحظة. والمعلوم أيضاً أن الرئيس بوش كان قد أوعز، قبل حوالي سنة للسفير الأميركي آنذاك في بغداد، خليل زادة، بعقد لقاءات مع السفير الإيراني هناك؛ حول شؤون الساحة العراقية، لكن مثل هذه المحادثات لم تحصل.
الظروف والمعطيات لم تكن ناضجة بعد. ومن الجانب الإيراني أيضاً صدرت تلميحات وإشارات حول الاستعداد للحوار مع واشنطن؛ ولو أن ذلك جاء مصحوباً بشروط مسبقة، منها أن تشمل المحادثات الملف النووي؛ الذي رفضت واشنطن إدراجه في جدول الأعمال، إلا بعد وقف طهران لعملية تخصيب اليورانيوم.
اليوم على الأرض مستجدات فرضت تراجع الاشتراطات. الليونة ولو النسبية، حلت مكان التشبث. صحيح أن الحوار، كما جاء في الاتفاق، محصور عند حصوله بالملف العراقي، لكن الترابط شبه العضوي بين سائر الملفات يجعل من فتحها كلها ممراً إجبارياً لمعالجة أي منها، ولو في جولات تالية للبحث في الشأن العراقي، إضافة إلى وجود مصلحة مشتركة لهما، في حلحلة أجواء التوتر بينهما.
إدارة بوش تواجه ضغوطاً هائلة من الكونغرس والرأي العام الأميركي. وفي شهر سبتمبر المقبل أمامها استحقاق: عليها تقديم كشف حساب يؤكد حصول تحسن في الوضع العراقي، وإلا فإن الكونغرس الديمقراطي ومعه فريق من حزب الرئيس مصمم على إجبار الرئيس على جدولة الانسحاب عبر ورقة تمويل الحرب، التي يتحكم بها. سبق وأوصت لجنة بيكر بإجراء مثل هذا الحوار مع إيران وسوريا.
بوش ضرب بالتوصيات عرض الحائط. لكن قبل أيام التقت رايس بوزير خارجية سوريا وبعد أيام من المتوقع أن يبدأ الحوار مع إيران.مساحة شراء الوقت تقلصت، وكذلك الأمر بالنسبة لطهران المهددة بالمزيد من العقوبات الدولية ما لم يتم العثور على مخرج للنووي.
ولا شك أن الحواجز عالية في وجه هكذا حوار. الفجوة بين الطرفين واسعة. الشكوك المتبادلة بحجم الجبال، والتعاون المشابه غير مسبوق، جرت محاولة بعد سقوط طالبان لكن من غير نجاح. الآن الوضع مختلف وضاغط. وربما لعب الوسيط الأوروبي، دوراً مساعداً غير أن الحسم بيدي طهران وواشنطن، والفرصة سانحة.