زهرة المدائن، مدينة الرسالات ومدينة السلام، تلك مدينة القدس المشرفة في كل الديانات السماوية، منذ الأزل والى الأبد. أسسها العرب قبل خمسة آلاف عام، واستوطنها النبي سليمان، وولد في رحابها النبي عيسى عليهما السلام. ثم كانت أول قبلة للمسلمين وثاني أقدس مكان في الإسلام.
القدس الشريف، يبوس وأور شاليم ثم يرو ساليم وإيليا وبيت المقدس.. ثراء في الأسماء وتنوع في التسميات يعكس ثراء التاريخ الممتد والأهمية المتواصلة لهذه البقعة المقدسة التي توالت حولها الصراعات بين الأمم على مر التاريخ.
عرفت الأمن والاستقرار في ظل الدولة الإسلامية بعد أن وفد إليها الخليفة عمر بن الخطاب بنفسه تأكيدا لقدسيتها وتأمينا لأهلها، حيث وقع معهم الوثيقة التاريخية الشهيرة ب«العهدة العمرية»، وحيث رفض أداء الصلاة عندما حان وقتها في كنيسة القيامة رغم دعوة أهلها وسماحهم له بذلك، حتى لا تكون صلاته في الكنيسة حجة أو مبررا لمن يأتي بعد من قادة المسلمين وسببا للتعسف ضد المقدسيين من غير المسلمين أو مضايقتهم في عبادتهم أو معاشهم.
وحين دخلها الفرنجة خلال حروبهم المتصلبة سنة 1099 ميلادية، عاثوا فيها قتلا وتدميرا ومارسوا التعذيب والتنكيل ضد أهلها، من مسلمين ومسيحيين ويهود دون تمييز، إلى أن استردها منهم القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي عام 1187.
لكن الاحتلال البريطاني لها بقيادة الجنرال ادموند اللنبي في أكتوبر عام 1917، أعادها مرة أخرى إلى الضياع والهوان الذي لحق بأهلها، ومهد الطريق أمام اغتصاب الصهاينة لها دون أي حق قانوني أو تاريخي، سوى حق القوة ونظام الهيمنة والطغيان.
واليوم يحتفل الصهاينة، حسب التقويم العبري، بمرور 40 عاما على اغتصاب القدس «عروس المدائن» التي استولوا عليها غدرا عام 1967.
ورغم القرارات الدولية العديدة التي صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي برفض الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي للقدس والمقاطعة البروتوكولية الظاهرية لهذه الاحتفالات من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إلا أن الواقع العملي يؤكد صمت العالم بل وتواطؤه حول هذه الجريمة البشعة التي تجرمها كل الشرائع والقوانين والأعراف الدولية والإنسانية، فالاغتصاب جريمة منكرة باعتراف الجميع وإقرارهم، فكيف إذا مورس بمثل هذا الفحش والإكراه، ضد شعب وأمة بكاملها في بقعة طاهرة مقدسة؟!
لكن الأمرَّ والأبشع من ذلك أن يساهم أهل «العروس» في هذا الجرم الشنيع، بالإهمال غالبا والاستهتار تارة والممالأة أحيانا، أو بالتناحر والتقاتل العبثي أحيانا أخرى!
لقد أهمل العرب قدسهم وتقاعس المسلمون عن قبلتهم الأولى رغم صرخاتها المدوية ودمائها المهدورة، بينما العالم «المتحضر» يقدم أدوات الجريمة ويمد المجرم بكل أنواع الدعم والمساعدة، ليس لارتكاب جريمته فحسب، وإنما للاستمرار والتمادي في غطرسته وعدوانه.
وبدلا من أن يحرك العالم ساكنا لإحقاق العدل وإعادة الحق لأهله، أصبح هم المعتدين هو حجم السكان الأصليين أهل الأرض وأصحابها، وكيف يتخلصون ممن بقي منهم بعد عقود من القهر والتهجير.
ففي غمرة احتفالاتهم بجريمتهم التاريخية، يشدد القادة الصهاينة على «ضرورة تعزيز عدد السكان اليهود» في المدينة المقدسة، ويقول رئيس بلدية القدس المستوطن الصهيوني أوري لوبوليانسكي إن «المشكلة الديمغرافية مسألة صعبة بالنسبة لنا»! بينما يذكر تقرير ل«معهد القدس للدراسات الإسرائيلية» أن اليهود سيمثلون بحلول 2020 ستين في المئة «فقط» من سكان القدس مقابل 66% حاليا!
وفي حين يسعى الإسرائيليون حثيثا وعلى هذا النحو الاستراتيجي الممنهج للاستحواذ على ما بقي من عقارات وممتلكات عربية وإسلامية في القدس، تتحول هذه الأرض المقدسة إلى مجرد «بند مؤجل» في مفاوضات «التسوية النهائية» بين العرب والإسرائيليين، وسط إهمال عربي مُذل وغياب إسلامي شبه كامل. ويبقى الجرم قائما والنزيف مستمرا، رغم الإمكانيات الهائلة لدى المعتدى عليهم وكثرة عددهم، لكنهم «غثاء كغثاء السيل» تلفظه الأمواج وتذروه الرياح.
غير أن الحقوق لا تضيع إلى الأبد، و«لا يضيع حق وراءه مطالب» مستعد للتضحية والفداء، وإذا لم تكن الأجيال الراهنة قادرة أو راغبة في استرداد حقها، فحتما سيأتي الجيل الذي يرفض الظلم ويرفس المعتدين ويستعيد حقه المغتصب وكرامة أمته مهما كان الثمن.
وان لم يحقق ذلك جيل الانتفاضة ورماة الحجارة اليوم، فسيحققه أبناؤهم أو أحفادهم من بعدهم، غدا أو بعد غد.. وإن غدا لناظره قريب، «وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون».