من الأسس الرئيسية لأي اتحاد بين الدول أو الإمارات هو أن تكون الإدارة متجهة إلى أن يكون هناك تكامل اقتصادي بين الأجزاء المتحدة وهذا مؤداه أن تكون بالنتيجة كل أجزاء الاتحاد بذات القوة الإقتصادية ، بمعنى أنه لو كان هناك تفاوت في الوضعية الاقتصادية بين أجزاء الاتحاد فهذا يعني أن حالة الاتحاد فيها خلل من هذا الجانب ويتوجب معالجته عاجلاً أم آجلاً لأن الاقتصاد يعتبر عصب حياة الدول واتحاداتها أو مشاريع اتحاداتها ودون الوحدة الاقتصادية أو التكامل الاقتصادي يكون الاتحاد والعدم سواء.
هذه المقدمة التي تطرقنا إليها نريد بها الدخول إلى موضوع سبق وأن تطرقنا إليه في مقالة سابقة كنا نتطلع بها إلى تجربة حالة اتحاد الإمارات العربية في تكوين الدولة القوية وما وصلت إليه حالة الاتحاد من تقدم على كافة المستويات مما يؤهلها لأن تكون نموذجاً من نماذج الوحدة والاتحاد التي يمكن تعميمها على مناطق أخرى أو على دول الوطن العربي. غير أن ذلك لا يعني استنساخ تجربة حالة دولة الامارات العربية المتحدة على الدول العربية بعينها ولكنها يمكن أن تكون النواة الأساسية لبناء اتحاد الدول العربية.
والتي يمكن إضافة أمور جديدة على حالة الاتحاد لم تكن موجودة في حالة اتحاد الامارات العربية المتحدة ومنها مثلاً استثمار الأيدي العاملة الوافرة في الدول العربية وكذلك المواد الأولية وغيرها من الحالات المنتشرة بين الدول العربية ومنها مثلاً إنشاء المدن العمالية والسياحية والرياضية والانفتاح الاقتصادي والشروع في إنشاء صناعات ثقيلة والاستفادة من تجربة ناجحة وموثوق منها تمت في دولة الامارات العربية المتحدة.
إذن الاقتصاد هو العصب الحيوي الذي يحكم حالة أي اتحاد بين الدول بل هو مقياس قوة الدولة، ومن عطف النظر على حالة الاقتصاد في دولة الإمارات العربية المتحدة نجد أنه في حالة نمو متصاعد على مستوى دولة الاتحاد وهذا لم يكن وليد صدفة بل كان هناك تخطيط علمي وتنفيذ دقيق نتج عنه الاقتصاد القوي الذي يعم كافة الامارات المتحدة، إن المتتبع لاقتصاد دولة الامارات يعلم أن الامكانات الاقتصادية التي كانت متوفرة عند قيام الاتحاد عام 1971 كانت محدودة جداً بل محصورة في عامل واحد وهو النفط .
وبشكل أكثر دقة أن هذا النفط موجود في امارتين فقط من الامارات السبع فهذا يعني ولو أخذ بنظرية الاتحاد الشكلي فإن إمارتين فقط سيكون لهما الحظ في التقدم والنمو والتطور الاقتصادي فيما تبقى خمس إمارات دون مصادر قوية للدخل بمعنى أنه لو كانت حال الاتحاد قائمة على هذه الشكلية ما كان لها أن تستمر وما كان لها أن تحقق النجاح.
وما كان لها أيضاً أن تكون درساً من دروس الاقتصاد تدرس في جامعات ومضرب أمثال وقدوة يقتدى بها لحالة اتحاد أكبر وأوسع ونقصد به اتحاد الدول العربية، ولكن الصورة الإيجابية لحالة دولة الإمارات العربية المتحدة تقوم في أساسها على نجاح اقتصادها .
وما حققته من تطور ونمو كبيرين ولكن أي نجاح يقصد به هل هو نجاح النشاطات الاقتصادية في كل امارة أم المقصود به هو النجاح الاقتصادي على مستوى الدولة. والجواب هما النشاطان معاً، أي النشاط الاقتصادي المحلي لكل امارة والنشاط الاقتصادي على مستوى الدولة وهما اللذان يسيران بشكل متناسق تحت قيادة حكيمة ووفق أسس التكامل الاقتصادي بين امارات الدولة ومنها الاستفادة من الدخل القومي للدولة المتأتي من ثروة النفط .
والتي وكما ذكرنا تتركز في امارتين فقط غير أن قيادة الدولة قررت ومنذ البداية أن تقوم حالة الاتحاد على شيء من التضحيات فتمت الاستفادة من هذه الثروة في دعم الاقتصاد القومي للدولة مما أنعكس إيجابياً على النشاط الاقتصادي المحلي لكل امارة وتحركت كافة الأنشطة بنسق واحد حتى تفاعلت وبدأت تحصد ثمارها إيجابياً على الاقتصاد القومي.
فهي عملية تكتيكية مخطط لها بشكل علمي هكذا وكما قلنا نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في بناء اتحاد متكامل والأهم من ذلك انها نجحت في الحفاظ على نجاح هذا الاتحاد واستمراره ، وهكذا صار ينظر إلى الإمارات العربية المتحدة نظرة واحدة متكاملة وكدولة لا كأجزاء وهذا هو الانطباع الايجابي الذي وصلنا إليه .
والذي نريد بنتيجته الرجوع إلى موضوعنا وهو أن تجربة دولة الإمارات العربية تجربة ناجحة يمكن تعميمها على الدول العربية مع إضافة وتعديل بعض الحالات بما يتوافق مع اتحاد أكبر وأوسع وأردنا أن نركز على موضوع التكامل الاقتصادي وكيف كانت هذه الحالة ناجحة من حيث التطبيق في دولة الامارات العربية المتحدة لوجود جانب التضحية أولاً ومن ثم جني ثمار هذه التضحية بالمردود الإيجابي على الناتج القومي .
وهكذا يجب أن تكون عليه الدول العربية والتي يجب أن تستخلص من درس دولة الإمارات العربية المتحدة أشياء عدة منها بطبيعة الحال أولها حالة الإتحاد ودراسته جيداً مع دراسة أسسه ومن هذه الأسس هو نجاح اقتصادها والتي تم بناءه على أساس التضحية أولاً من أجل نجاح الإتحاد ومن ثم قطف الثمار ، بمعنى التضحية ثم الصبر على قطف الثمار.
وعلى الدول العربية الإستفادة من كل ذلك والتي سوف لا تؤثر على مستويات أنظمة الحكم فيها ولا يمس بها بل سيكون هنا تخطيط واسع أساسه بناء نواة اتحاد أصغر ويتم البدء في تطوير هذه النواة والبناء عليها والمقصود هنا هو الاقتصاد العربي الذي يتمتع بمصادر كبيرة وعظيمة ولو تم الإستفادة من خبرات العلماء العرب والتجربة الإماراتية فإننا سنكون أمام أكبر وأعظم إقتصاد في العالم ، غير أن هذه التجربة المطلوب الأخذ بها يجب التوسع بها لتنوع مصادر الاقتصاد والاستثمارات فيه فهناك النفط والغاز.
وهناك الأنهر والبحار وهناك الثروات المعدنية والزراعية والمواد الأولية والأيدي العاملة والأموال وهناك جانب مهم وهو توافر الخبرات والعقول البشرية التي تستطيع تحمل المسؤولية في هذه التجربة الكبيرة وكذلك هناك عامل آخر مهم في هذا الموضوع وهو وجود مساحات كبيره من الأراضي التي يمكن إستثمارها.
غير أن هذه العوامل الاقتصادية لم تكن مجتمعة في مكان واحد من الوطن ، لذا إذا أخذنا بالعوامل الاقتصادية الموجودة في الوطن العربي كما هي الآن مجزأة نكون أمام دول ضعيفة اقتصادياً ، أما إذا أخذنا هذه العوامل الاقتصادية وفق مبدأ التكامل الاقتصادي بين الدول العربية نجد أن هذه الدول سوف تكون من أقوى مناطق العالم اقتصادياً لما يمثله هذا التكامل من نجاح لاقتصادياتها.
وفي مثال بسيط بشأن استثمار التكامل الاقتصادي مثلاً أن في دول شمال افريقيا تتواجد خبرات تنفيذية وأيدي عاملة كبيرة وفي مناطق أخرى ومنها الخليجية تتواجد فيها الأموال والخبرات التخطيطية العلمية فيمكن من خلال هذا التعاون أن ينتج تكامل اقتصادي يعود بالفائدة على طرفي المعادلة وبالتالي وهذا سيعزز حالة الاتحاد بين الدول العربية سياسياً واقتصادياً ويزيل الحدود الجليدية الوهمية التي تفصل بين الدول العربية.
كلية القانون جامعة الشارقة
rashid.shabib@binshabib.ae