هل تندلع حرب أهلية بين «حماس» و«فتح» مع تصاعد ظاهرة «الفلتان الأمني»؟ولكن أولاً ما هو الفلتان الأمني؟ هذه تركيبة لفظية لا تقل غموضاً عن الظاهرة نفسها.
ما نرى على السطح هو مسلسل من حوادث قتل أو محاولة قتل. وبينما تتخذ بعض هذه الحوادث طابعاً شخصياً يتعلق بثأرات عائلية أحياناً إلا أن الطابع الأغلب يبدو سياسياً، ولذا فإن أقرب ما يمكن أن يستنبط هو أنه أياً تكون الجهة المسؤولة عن تدبير حوادث الفلتان الأمني فإن الهدف هو إشعال فتنة سياسية تقود بالتواتر إلى اندلاع حرب أهلية.
ومما يثير الاستغراب أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تخفيان عزمهما ليس فقط للتحريض على إشعال مثل هذه الحرب بل إنهما تقدمان علناً دعماً عسكرياً ومالياً لطرف فلسطيني لدفعه إلى صدام دموي مع طرف فلسطيني آخر، فقد رأينا خلال الأسابيع الأخيرة كيف أن الكونغرس الأميركي أجاز رسمياً اعتمادات مالية بطلب من إدارة بوش لتمويل تجهيزات عسكرية وتدريبية لرفع الكفاءة القتالية لقوات حرس الرئاسة التابعة للسلطة الفلسطينية التابعة بدورها لفصيل فتح.
والأغرب أن مسؤولي الإدارة الأميركية حرصوا على التصريح علناً بأن الهدف من الدعم هو تجهيز قوات الرئيس أبومازن لشن حرب على قوات حماس، والأشد غرابة من ذلك كله أنه لا الرئيس أبو مازن ولا أقطاب فتح كلفوا أنفسهم بأي تعليق على المشروع الأميركي.
ولنواجه الحقيقة:
أولاً.. ان هناك تدبيراً أميركياً إسرائيلياً لإشعال حرب أهلية فلسطينية.
ثانياً: أن هناك شخصيات فلسطينية نافذة متورطة في هذا التدبير.
ثالثاً: أن أحداث الفلتان الأمني مقدمة للتمهيد للصدام الدموي المرتقب.
هكذا يجري نسف «اتفاق مكة المكرمة» بين حماس وفتح، ونستذكر الآن انه حين اختتمت العملية التفاوضية في مكة بوساطة سعودية حذر محللون عرب وغربيون بأن الاتفاق ذو طبيعة تنظيمية فقط وليس اتفاقاً أيديولوجياً سياسياً ذا طبيعة استراتيجية.
لقد أثبتت الأيام والأحداث صحة هذا التحليل. وعلى أية حال فلنتساءل: كيف يمكن عملياً أن يتبلور اتفاق بين فريقين عقد أحدهما العزم على تحرير الأرض بوسيلة الكفاح المسلح كنهج أساسي مبدئي بينما الفريق الآخر يتبنى خيار السلام والتفاوض وفق الرؤية الإسرائيلية الأميركية حول قضية المصير الفلسطيني؟
ان الهاجس الأعظم الذي يؤرق قادة فتح ليس مجابهة الاحتلال وإنما هو كيف يمكن التخلص من حماس، فمنذ الوهلة الأولى لاكتساح حماس الانتخابات النيابية في يناير وتشكيل الحكومة شرعت فتح في تأليب الشارع ضد الحكومة بهدف إفشالها عملياً. أما بعد اتفاق مكة فإن هدف الإفشال امتد أيضاً إلى الحكومة الائتلافية عن طريق استحداث ظاهرة الفلتان الأمني.
لقد باتت حماس متورطة الآن في حكومة مصابة بالشلل وبذلك صارت أسيرة قفص بيروقراطي.. فلا هي تستطيع ممارسة حكم صالح ولا هي تستطيع مواصلة المقاومة الناشطة.
فهل تعيد قيادة حماس النظر في تداعيات اتفاق مكة وانعكاسها على سمعتها النضالية؟