يجمعك السفر بأشخاص لا تعرفهم، ويفرض عليك التواجد محاصراً في علبة مغلقة كالطائرة، حيث لا يمكنك بأي حال من الأحوال فتح أي باب أو نافذة للتمرد على ضيق المكان، يفرض عليك منطق الحصار هذا أن تطلق العنان لنفسك لممارسة أحد ثلاثة خيارات إما أن تمنح نفسك لريموت جهاز التلفزيون المثبت في مقعد جارك الذي أمامك، فتوالي مشاهدة الأفلام المختارة ضمن القائمة المعدة سلفاً، أو أن تسلم جفنيك للنعاس إذا كنت من هؤلاء الذين يطمئنون للنوم على متن طائرة محلقة على هذا العلو الشاهق، وإلا فليس أمامك سوى الخيار الثالث!

الخيار الثالث هو أن تستسلم لإغراءات كسر الوقت بالحديث مع جارك، ولا خيار لديك هنا، فجارك هو هذا الشخص الذي يجاورك، ويبدأ هو سطرا في صفحة الحوار، أهلاً فأهلاً تقابلها، رحلة استجمام أم عمل؟ فتتلاءم عليه بإجابة السفر ضرورة أحياناً لأنك لا تريد الإفصاح عن أسباب سفرك لأول شخص تقابله في الطائرة.

ومن ثم تنهمر بقية الأسطر ويصير الأمر حديثاً طويلاً ربما، وشائكاً ربما، وبلا نهاية أحياناً خاصة حين نتحدث في السياسة وأحوال المنطقة، وحين تغادر بلداً كان يزورها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إثر زيارة مفاجئة لنائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، في ظل حديث خليجي قلق عن السلام في المنطقة، وتخوف دولي مفهوم حول احتمالات عمل عسكري ضد إيران!

في ظل ذلك، وإذا بدأ جارك حديثاً بهذا الثقل فاعلم بأنكما لن تنهيا الحوار إلى نتيجة حتى وإن انتهت الرحلة، فالأمر صعب جداً، والاتفاق أصعب، أما إذا كان جارك عراقياً صرفاً ورجل أعمال بامتياز فاعلم أن الحديث لن يكون ذا شجون فقط ولكنه ذو شؤون وأسرار ومفاجآت!

وبطبيعتي فأنا لا أؤيد اقتحام التحليل السياسي على أرضية التفاؤل والتشاؤم، فهذان معطيان غير موضوعيين إطلاقاً عند التعامل مع علم مجرد كالسياسة، لكنني في النظر إلى الشأن الخليجي، أضطر للذهاب إلى التفاؤل لأنني مقتنعة بأن المنطقة تعبت من الحروب والصراعات وأن الأرض والفضاء قد تشبعا من آثار أسلحة الدمار والأسلحة الكيميائية التي جربت فيهما، ولذلك فنحن لا نرغب في أي عمل ضد إيران، ليس لأننا مع مشروعها النووي وليس لأننا مع تعنتها مع المجتمع الدولي، ومع الإمارات بشأن قضية الجزر، ولكن لأن أي عمل ضد إيران معناه فناء المنطقة.

جارك العراقي مؤمن بأن هذا هو الحل الوحيد المتاح.. وبأن أميركا ستضرب إيران حتماً مع انتهاء ولاية بوش، وبأنها لا شيء لديها لتخسره في المنطقة، وبأن حرق المنطقة يشبه تماماً حرق العالم بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه الحريق أو الدمار الذي رتب الخرائط كما أرادها الحلفاء من خلال سايكس بيكو، وأميركا تريد حريقاً بحجم الحرب الثانية وترتيب خرائط وحدود على غرار سايكس بيكو!

إنه الحل الذي يشبه القيامة، هذا هو خيار ما بعد القيامة كما قلته لجاري في الطائرة، فابتسم على أثر الجملة، فما كان مني سوى أن أسلمت نفسي للنوم مرغمة، أو خوفاً من خياره العبثي!

sultan@dmi.gov.ae