يستطيع أي متابع للأحداث الدموية المأساوية في العراق أن يكتشف بسهولة أن الإدارة الأميركية أخطأت منذ البداية في شن الحرب على العراق واحتلاله، ومن ثم أخطأت في إدارة الاحتلال على مدى أربعة أعوام، وهي تخطئ الآن خطأً مضاعفاً في معالجاتها لأخطائها السابقة.
هذه حقائق يؤكدها المتابعون في شتى أنحاء العالم، ويقرّ بها الأميركيون الذين ابتعدوا عن إدارتهم لهذه الأسباب، وقال اثنان وسبعون في المئة منهم إنهم غير راضين عن أداء رئيسهم ويفضلون رحيله، على أرضية ما يجري في العراق.
ولا تستطيع إدارة بوش أن تدّعي أنها لم تكن تعلم أن الأمور ستصل إلى هذا الحدّ من التدهور، فالشهور والأسابيع التي سبقت الحرب كانت مملوءة بالتصريحات والتحليلات والدراسات التي توقعت مثل هذا التدهور، وحذّرت من نتائجه الكارثية ليس على العراق فحسب بل على المنطقة بمجملها.
وبالمناسبة، وما دامت الإدارة الأميركية توجه الاتهامات الباطلة إلى سورية، أليس من المناسب التذكير بأن سورية هي أول من نبّه إلى مخاطر غزو العراق؟
لقد كان السيد الرئيس بشار الأسد واضحاً كل الوضوح عندما قارن في قمة شرم الشيخ العربية بين الغزو الأميركي للعراق وبين غزوة هولاكو له في أواخر العصر العباسي، وعندما قال قبيل الغزو وبعده: إن الإدارة الأميركية تستطيع أن تحدد موعد بدء الحرب، وأن تحتل العراق عسكرياً، ولكنها لا تستطيع أن تسيطر عليه، ومن ثم أن تحدد موعد نهاية هذه الحرب.
الرئيس الأسد أول من حذر من مخاطر الغوص في الرمال العراقية، والمسؤولون الأميركيون يذكرون ذلك جيداً بكل تأكيد. وهنا يصحّ مئة في المئة القول العربي القديم: إن أهل مكة أدرى بشعابها، فسورية بحكم سياساتها ومواقفها القومية والإقليمية على تماس مباشر بشؤون وقضايا المنطقة، وعلى معرفة واسعة ودقيقة بالوضع العراقي وتعقيداته الداخلية.
ولها من الخبرة ما يمكّنها من استقراء التطورات بشكل واقعي، لذلك كانت توقعات الرئيس الأسد صائبة، وكانت تحذيراته في مكانها، وكانت كل كلمة قالها في هذا الشأن تنمّ عن حرص شديد على العراق والعراقيين، وعلى المصالح العربية العليا وهي مصالح مترابطة، متداخلة، ممتدة على مساحة الوطن العربي الكبير.
بالتأكيد إن الرئيس الأسد كان يتمنى ألاّ تصح توقعاته تجاه العراق، وكان ولا يزال يعمل من أجل إخراج العراق من محنته، وتخليص العراقيين من معاناتهم الأمنية والاقتصادية.
سورية في كل الأحوال أحرص على العراق من الأميركيين، وكل من يظن غير ذلك لا يعرف طبيعة العرب وتداخلاتهم، ويتناسى أن سورية وقفت إلى جانب العراقيين وهي في أوج أزماتها مع نظامهم الحاكم السابق، وأنها اليوم الملاذ الآمن الأول لهم، وتحتضن قرابة مليونين من الهاربين من الجحيم العراقي.