موقف سياسي واضح لا لبس فيه ولا غموض, حددت أبعاده ومقاصده مصر لإمكان تهدئة التوتر, وصولا إلى احتواء الأزمات الساخنة, وإنهاء الصراعات المتصاعدة التي تهدد منطقة الشرق الأوسط.
وقد برزت قسمات هذا الموقف المصري وتبلورت خلال المباحثات التي أجراها الرئيس حسني مبارك أمس الأول مع ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي.
فقد طرح الرئيس في هذا اللقاء التصور المبدئي لمصر تجاه التعامل مع الأوضاع العراقية, وسبل إحياء عملية السلام, وحذر من مخاطر احتمالات أي مواجهة عسكرية بشأن الملف الإيراني النووي.
ويبدو الموقف المصري من هذه القضايا الشرق أوسطية, مدركا بكل الوضوح لجوهر هذه القضايا, ومدركا بكل الموضوعية لسبل حلها.. وليس أدل على ذلك من الوقوف على هذه الحقائق التي يبلورها الموقف المصري.
أولا: ركز الرئيس في مباحثاته مع تشيني على ضرورة كسر جمود عملية السلام. وأوضح أن ملف المشكلة الفلسطينية هو المفتاح للتعامل مع بقية أزمات المنطقة. كما أكد الرئيس أن المبادرة العربية للسلام ليست في حاجة إلى تسويق أو تغليف, لكنها في حاجة أكثر إلى تجاوب إسرائيل معها.
ولا جدال في أن هذه الرؤية المصرية لملف القضية الفلسطينية رؤية صائبة يجمع على صدقها وموضوعيتها خبراء ومحللون سياسيون محايدون, غير أن إسرائيل تناور وتماطل, وتسعي دائما وأبدا إلى كسب الوقت, مما يهدر فرص إحلال السلام في المنطقة, ومما يشير إلى ذلك أن النخبة الحاكمة في إسرائيل لم تعلن حتي الآن قبولها الواضح والصريح مبادرة السلام العربية, برغم الموقف الأوروبي المؤيد لها, وذلك ما أكدته المتحدثة باسم المنسق الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية الأوروبية.
ثانيا: أكد الرئيس مبارك دعمه للعملية السياسية في العراق. وأوضح بشكل قاطع وحاسم أن نجاح هذه العملية يرتهن بالتوصل إلى وفاق عراقي, والقضاء على أي نوازع شقاق طائفي أو مذهبي في العراق.
وهكذا تضع مصر النقاط فوق حروف إمكان حل الأزمة العراقية, ذلك أن ثمة إجماعا في الرأي الإقليمي والدولي على أن المصالحة الوطنية العراقية هي السبيل لاحتواء العنف, ووقف نزيف الدم العراقي, ويقتضي تحقيق هذه المصالحة عدم إقصاء السنة من المعادلة السياسية العراقية.
وكم كان المؤتمر الموسع الذي عقد في شرم الشيخ حول أمن العراق واستقراره واضحا في تحميل الحكومة العراقية مسئولية تحقيق المصالحة, كما أن تحقيق المصالحة من شأنه أن يؤدي إلى إمكان توافر الأمن والاستقرار اللذين يسفران بالضرورة عن الانسحاب الأميركي من العراق.
ثالثا: حذر الرئيس ـ خلال مباحثاته مع ديك تشيني ـ من مخاطر أي مواجهة عسكرية بشأن ملف إيران النووي.وأشار إلي أنه في حالة حدوث مواجهة, فإن تداعياتها ستكون خطيرة على منطقة الشرق الأوسط بأسرها, وأكد الرئيس مبارك رغبة مصر في إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل.
ويشاطر مصر في موقفها من الملف النووي, وإمكان تسوية الخلافات الأميركية ـ الإيرانية بالطرق السلمية, وعبر المفاوضات ـ أطراف إقليمية ودولية فاعلة ومؤثرة, بل إن أميركا وإيران تدركان أهمية المفاوضات, برغم التصريحات المتشددة التي تنطلق من هنا أو هناك.
ومما يؤكد ذلك اتفاق طهران وواشنطن على إجراء مباحثات حول الأوضاع الأمنية في العراق, ومما لا خلاف عليه أن هذه المباحثات المرتقبة قد تؤدي إلى إمكان تقارب وجهات نظر البلدين, مما قد يمهد لإجراء مفاوضات حول الأزمة الإيرانية.
وفي ضوء ما سلف, فإن الموقف المصري الذي يتسم بالعقلانية والموضوعية تجاه حل قضايا المنطقة موقف أساسي وجوهري في عملية إحلال السلام في ربوع الشرق الأوسط.