يستاهل كل من أجاد، فاستحق، وكل من أصاب فحصد، ونحن ننضم إلى موكب المهنئين الذين اتصلوا أو أبرقوا لمن نال التقدير ثمرة لجهده وعطائه، ونحيي بهذه المناسبة كبير الصحافيين والمحامي المعروف محمد مساعد الصالح لاختياره أفضل كاتب عمود في الصحافة العربية، وهو اعتراف في مكانه، وتقدير جاء من متابعة وتشخيص وموضوعية تستحق الإشادة، فمن يكتب يومياً وطوال عقود وبلا انقطاع من حقه أن ينال الاعتراف والتقدير، وفي حالة كاتب «الله بالخير» يأتي الاعتراف من جهد سخي ومن صفات أخرى.
عمود «الله بالخير» سهل الهضم وخفيف وظريف في مظهره، وعميق في مضمونه، ينتقد دون إزعاج، ويحلل دون تجريح، ويساهم في التشخيص في جهد لمساعدة المسؤولين، ونقول بأن «الله بالخير» لم يسخر لمصالح ولم يؤجر ولم يعرض في ميدان المزايدات، ويكفي صاحبه التزامه بقيم العمل الجاد.
ونفرح كثيراً لحصول فيصل حمد العيار على جائزة التفوق في إدارة الأعمال والاستثمار، وذلك خلال مؤتمر رجال الأعمال في لبنان، باعتراف جماعي بالنهج العلمي والعملي الذي أدخله في مؤسسة ضخمة، تعتبر من أكبر المؤسسات التجارية والاستثمارية، وخاصة في الخليج، وقد سعدت شخصياً لأنني أعرف الجهد الذي يبذله ونظام العمل الذي وضع أساسه وأصبح هذا النظام ضوابط سلوك المؤسسة.
وكما أشرنا إلى قيم العمل التي نلاحظها في «الله بالخير» نجدها صلبة في «دار المشاريع» التي يسكنها فيصل العيار طوال النهار ويعود إلى منزله ليلاً. اتصل به أحيانا للاستفسار عن بعض القضايا، دائماً ملماً بالتفاصيل، يستقبل معظم الوفود الأجنبية التجارية والاقتصادية التي تزور الكويت ويتحدث معها بأسلوب العارف والواثق والمتفائل، ويسألني بأسلوبه الرقيق، عن تقييمي للقاءات التي أقف من خلالها على الكثير من المعلومات لا توفرها البيانات.
ولابد أن أشير إلى النهج الذي يدعمه الشيخ صباح الأحمد الجابر في تشجيعه للمبدعين والمتفوقين. في عددها الصادر يوم الاثنين السابع من مايو، يتحدث أمين عام النادي العلمي المهندس أحمد المنفوحي في صحيفة الوطن، معبراً عن شكره وتقديره للأمير لاستقباله.
وفد النادي العلمي ووفد مؤسسة الكويت للتقدم العلمي وتهنئته المخترعين الفائزين والحاصلين على الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية، بالمعرض العالمي للاختراعات الـ 35 الذي أقيم في جنيف بمشاركة العديد من مختلف الدول حيث ساهم فيها مخترعون وعرضوا اختراعاتهم في العلوم والتكنولوجيا والتقنيات الحديثة.
وسبق للأمير أن استقبل المبدعة الكويتية منار الحشاش التي تفوقت في علوم الكمبيوتر. وهذا مؤشر على التوجه الجاد والملموس نحو الاعتراف بالعمل المميز، والتقدير للمجتهد، والعدم للمبدع، وبهذا النهج تفوقت الدول بالبحث الجدي والمثابرة وتوظيف العقل وتخصيص الطاقة لما يفيد.
ما هو الشيء الذي ينقصنا لكي تتفوق المجتمعات الخليجية أو تخلق فيها كيانات حية مبتكرة ومبدعة ومستنيرة؟ تستهدي بالعقل وتتجاوز الكسل والخرافات:
أولاً: الانضباط واحترام قيم العمل، كما لمسناها في كل من المجتمع الأميركي والبريطاني إلى حد ما، والالتزام بقيم العمل معناه التفاني في الجهد والامتثال للضوابط والحرص على السرية وصون الأمانة، والسعي بجد نحو التفوق.
لماذا تترهل المجتمعات الخليجية إلى درجة تضع مؤسسة التأمينات الكويتية على حدود الإفلاس؟
بسبب وجود دولة الرفاه ـ الدولة الرعوية والأبوية ـ التي تحيط المواطن بكل شيء وبدون شيء، يأخذ بلا ثمن، بلا عطاء، وتفرز ثقافة الخمول والاسترخاء، وتأتي لأن كل شيء مضمون. في المجتمعات الراقية هناك معادلة الحقوق بالمسؤوليات، ولا شيء مضمون فيها سوى المواهب والكفاءة..
المضمون في الكويت هو احتضان الدولة ومؤسساتها للمواطن فلا مساءلة ولا تحقيق ولا محاسبة، الناس تشتكي من انعدام الدوام وعدم الالتزام به في الوزارات، نصف المواطنين في غياب، والقليل يمارس العمل بأجواء خاملة.
شاهدت في أميركا كيف يندفعون صباحاً إلى العمل في قطارات مملوءة نحو المكاتب وعمل متواصل في الدوام وعودة بالقطار ومن يتخلف يتحمل ثمن الغياب، دوام الشركات والوزارات في السابعة والنصف الكل موجود، كبيرهم وصغيرهم.
في الحملة الانتخابية الفرنسية يردد المرشح ساركوزي الذي فاز بالرئاسة، شعاره إدخال قيم العمل الأميركية إلى فرنسا التي يعمل فيها الموظف 35 ساعة في الأسبوع وهو أقل معدل في أوروبا.
ثانياً: كيف نزيل الاتكالية من المجتمعات الخليجية، والاتكالية تختلف عن ثقافة الاسترخاء التي هي الكسل، أما الاتكالية فهي الشعور بأن هناك نجدة توفرها القوانين التي وضعتها الدولة ليرتاح المواطن من ضيم الزمن. الاتكالية مصيبة تقتل الطموح وتزيل المنافسة وتقضي على نزعة التفوق.. وعلاج الاتكالية المبسط هو رعاية المجتهدين وإبراز هذه الرعاية من أجل تحريك الآخرين للخروج من جمودهم..
وأرى في استقبال سمو الأمير للمبدعين أسلوباً يحفز الآخرين على التحرك، لكن هذا غير كاف دون دور مؤثر لمنظمات النفع العام، فالطريق إلى نفع المجتمع هو التفوق، ولنعترف بأن هيئات ومنظمات النفع العام في الكويت هي الأخرى ضحية من ضحايا الاتكالية ومن النفور من قيم العمل وقواعد الانضباط فيه. كنا نتحدث عن مأساة البحث والاستكشاف في الكويت مع عدد من أساتذة جامعة الكويت.
ثالثاً: هذا الحديث يأخذنا إلى انعدام غريزة الفضول في التنقيب والبحث، وفي التأليف والاطلاع، ويخبرني أستاذ في الجامعة بأن عدد الدارسين في أقسام علوم الكيمياء والأحياء والفيزياء قليل جداً، وحتى الذين تخرجوا سابقاً من هذه الأقسام تسربوا إلى وظائف إدارية استسهالاً للعمل.
وفعلاً يذكرني بعدد المدرسين الكويتيين في المدارس الثانوية في العلوم والفيزياء، عددهم بعد هذه السنوات الطويلة من حياة جامعة الكويت، قليل جداً، خاصة في مهام الرياضيات وفي المجالات التي تتطلب جهداً كبيراً.
وحتى الكتابة العادية التي تطبع في الكويت لا تجد نصيباً منصفاً من القراء، نتساءل عن كم الكتب التي تباع في الكويت، ومن يشتري ومن يقرأ. وتجتهد الدولة في إرسال بعثات إلى الخارج، يعود بعض أعضائها في منتصف الطريق، ويذوب بعضها مع الزمن، ويبقى القليل والنادر.
وما هو العلاج من هذا الوضع؟ نجيب بأن المطلوب فرض القانون على الجميع، ليدرك الكسلان بأنه سيدفع ثمن كسله، والناجح يقطف ثمار نجاحه، والمجتهد ينال التشجيع، سياسة الحزم والعزم تبدأ بقرار من المسؤولين ومن القيادة بتحدي مرض «الواسطة».. ربما هذه الخطوة ترسم درب العمل المستقبلي.
نعود إلى أصدقائنا الذين نالوا الاعتراف بجهودهم، ونقول بأن هذه المباركة العلنية تعطي إشارة مشجعة بأن الناجحين لهم الاعتبار حتى في دولة الرفاه وفي مجتمع الاتكالية ومجتمع الاسترخاء والهروب من الجديات.
كاتب كويتي
Abdullah_bishara@yahoo.com