ماذا يمكن أن يقال بعد نحو 60 عاماً من قيام الدولة اليهودية في 15 مايو 1948 على أرض الفلسطينيين سوى أن إسرائيل توسعت في استحواذها القسري على الأرض؟

لكننا نستطيع ان نقول أيضا: انه وقعت ثلاثة أخطاء استراتيجية جسيمة على مسار النضال الوطني الفلسطيني خلال هذه العقود الستة: أولاً: تأخر انطلاق الحركة النضالية، وثانياً ارتباطها العضوي بالأنظمة الحاكمة العربية، وثالثاً: التركيز على النضال خارج الأرض المحتلة لمدى طويل جدا.

حركة النضال لم تنطلق إلا بعد عشر سنوات من إعلان قيام الدولة الإسرائيلية. فقد أنشئت حركة «فتح» في الخارج عام 1958. وإنشاؤها في الخارج كان يعني بالضرورة الحتمية استحالة تبني نهج الكفاح المسلح ضد الاحتلال الاسرائيلي في الداخل. فلم يكن المتاح ان توافق أي من الدول العربية في الجوار الجغرافي للأراضي الفلسطينية على إقامة قاعدة فلسطينية على أرضها ينطلق منها نشاط مسلح ضد إسرائيل.

لهذا لم تجد قيادة فتح ـ ومن بعدها منظمة التحرير الفلسطينية الجامعة ـ خيارا سوى الارتهان إلى الوسائل السياسية والدبلوماسية والإعلامية. وبالطبع ليس هناك ما يعيب حركة تحررية في تبني هذه الوسائل في سياق حركة نضال وطني، إذا اتخذت هذه الوسائل كعوامل إسناد لحركة نضال مسلح. لكن الاعتماد عليها وحدها لا يحقق هدفاً تحررياً.

يضاف إلى ذلك أن قيادة منظمة التحرير برئاسة عرفات وجدت نفسها تتورط في صراع القوى بين الأنظمة العربية، مما قادها إلى إهدار طاقاتها المحدودة أصلاً في مناورات انصرافية لا علاقة لها بالنضال من أجل تحرير الأرض، ومما ضاعف من هذا التورط اعتماد قيادة المنظمة على الأنظمة العربية في مجال التمويل الذي يترافق معه في هذه الحالة ابتزاز سياسي لاستغلال المنظمة في خصومة نظام ضد نظام آخر.

والواقع أن التدخل السالب للأنظمة العربية في شأن القضية الفلسطينية بدأ حتى قبيل قيام الدولة اليهودية. ففي عام 1947 فرضت الحكومات العربية نفسها كوصي على الشعب الفلسطيني، فرفضت نيابة عنه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة تقسيم فلسطين إلى دولتين: إحداهما عربية والأخرى يهودية.

ومن المفارقات أن قرار التقسيم يمثل الآن وبعد نحو ستة عقود سقف الطموح الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويمكن القول: إنه منذ قيام الدولة الإسرائيلية لم تدشن حركة نضال فلسطيني حقيقي إلا في عام 1987 حين اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الشعبية الأولى متخذة أسلوب الكفاح المسلح كنهج أساسي. لكن الانتفاضة أجهضت بعد نحو ست سنوات على يدي قيادة منظمة التحرير.

بداية النهاية كانت في العام التالي حين أعلن ياسر عرفات في عام 1988 اعتراف المنظمة بإسرائيل دون مقابل. وعلى هذا الطريق سارت المنظمة إلى أن أبرمت مع إسرائيل اتفاق أوسلو في عام 1993.الآن ومع حلول الذكرى التاسعة والخمسين لقيام الدولة اليهودية، فإن ما يمكن أن تستخلصه القيادات الفلسطينية هو أولاً انه لا بديل عن نهج الكفاح المسلح، وثانياً إن الاعتماد على الأنظمة العربية مراهنة خاسرة مئة في المئة.