ليس من المبالغة بشيء تصنيف الوضع الفلسطيني الداخلي الراهن في خانة المنكوب. ونكبته هذه المرة، صناعة محلية، طبعاً تضافرت عوامل عديدة، على رأسها الاحتلال الإسرائيلي والقوى المتواطئة معه بالحصار والتغطية. لتؤدي به إلى ما هو عليه اليوم من تعاسة وفوضى ونهش للذات لكن هو نفسه ليس بريئاً من النزف المبتلي به. فقد ساهم بمفاقمته وبتوسيع جروحه بفعل يديه.
وما يجري اليوم في غزة يشهد ويؤسف، بل ويثير الغضب، ويزداد المشهد بشاعة أن التقاتل الجاري بين «فتح» و«حماس» يأخذ منحى تصعيدياً نحو الأسوأ في اللحظة ذاتها التي انقضى معها 59 سنة على النكبة الأصلية و40 سنة على احتلال وضم وتوحيد القدس، من قبل إسرائيل، بل في اليوم نفسه الذي تخصص فيه الحكومة الإسرائيلية مبلغ مليار ونصف دولار لاستكمال تهويد القدس وحشوها بالمزيد من المستوطنين الإسرائيليين.
في يوم واحد سقط 5 قتلى وحصل اختطاف أكثر من 70 من الطرفين ويبدو أن الحبل على الجرار. سيناريو ما فتئ يتكرر منذ أكثر من سنة. تهمد الأحوال لفترة قصيرة؛ ثم لا تلبث أن تعود إلى التفجير، وفشلت كل المحاولات لوقف هذا المسلسل، وبقيت فصوله تتوالى، لأن المعالجات اقتصرت على الجانب الأمني لوحده.
أصل المشكلة السياسي، جرى التعامل معه بالترقيع والتلزيق فقط، وقرار التصدي له لم ير النور إلى أن جاء اتفاق مكة وما أعقبه من تشكيل حكومة وحدة وطنية عندئذ ساد اعتقاد بأن الأمور عادت إلى نصابها وأن حنفية النزف الداخلي جرى إقفالها هذه المرة.
شهدت الأجواء شيئاً من الاطمئنان، ولو المشوب بشيء من التخوف ولم تمض فترة، حتى تبين أن التخوف كان في محله. حليمة رجعت إلى عادتها القديمة: اغتيالات وتصفية حسابات راحت تتراكم حتى توسعت دائرتها وراحت تحصد بالجمل، مرة أخرى يتكشف أن المسألة في العمق سياسية وأفرزت كالعادة مواجهات أمنية. تمثل ذلك في الخلاف حول صلاحيات وزارة الداخلية والصراعات بين كبار مسؤوليها الأمنيين والمدنيين. ربط البعض الصدامات الأخيرة بغياب الخطة الأمنية المتفق عليها وتعذر وضعها في موضع التنفيذ، لكن التعذر حصل لأسباب سياسية.
وهنا مربط الفرس، الذي لم يقو الوضع الفلسطيني على مواجهته مباشرة وبالقدر اللازم الكافي والكفيل بالسيطرة على الحالة الأمنية وهو بذلك يزيد من تآكل مصداقيته؛ في الداخل والخارج. ناهيك عما يقدمه لإسرائيل من خدمات، لا تقدر بثمن؛ وعما يتسبب به من طمس لحالة الحصار المضروبة عليه والتي أوصلته إلى شبه حالة اختناق معيشي واقتصادي، أدت إلى رواج تجارة السلاح مع كل ما يصطحب ذلك من ممارسات فجة بدأت تنتشر؛ خاصة في القطاع.
لقد سئم الشعب الفلسطيني من هذه الدورة العبثية للعنف الدموي المحلي، وثمة شعور متفاقم بالخيبة والخزي. بل صار من المفهوم والمشروع طرح التساؤل عما إذا كان ثمة احتمال أو إمكانية حصول صحوة فلسطينية ومتى؟
الفلسطينيون يعيشون كابوس الاحتلال اليومي، بكل ما يأتي به لهم من معاناة فيما تنصرف قواهم السياسية إلى مطاردة بعضها وتصفية عناصرها المتصارعة .
الشعب الفلسطيني الصابر المكابد منذ 59 سنة والذي أعطى بغير حساب؛ يستحق أكثر وأفضل من ذلك. على الأقل لا يستحق نكبة جديدة من صنع أبناء جلدته وأهله.