ضمن تراثهم العسكري الضخم، يملك الصينيون القدماء منظومة تربية أخلاقية عسكرية صارمة جداً، وحكيمة بما يكفي للانتصار الحقيقي.. هذا ما يورده «صن تسو» في كتابه «فن الحرب» حيث يقول:
هناك طرق لا يسلكها المرء
هناك جيوش لا يقاتلها المرء
هناك مدن لا يهاجمها المرء
هناك أراض لا يصارع من أجلها المرء
وهناك أوامر من العاهل لا يقبلها المرء!
لقد سمى «صن تسو» الحرب فناً، وهذا ما غاب عن أمم عظمى لم تر من الحرب سوى تجريب وسائل القتل التي تخترعها كل يوم، وسوى استعراض عضلات ناقلاتها وغواصاتها وصواريخها العابرة للقارات.. أما الأخلاق فلا يأتون على ذكرها، لا يتذكرونها لأنهم لم يحفظوها يوماً.. فهل سيحققون أي انتصار من أي نوع يا ترى؟..
لو أن الولايات المتحدة اقتنعت بأن هناك مدناً لا يهاجمها المرء، لما هاجمت بغداد واستباحت كل العراق بهذه الهمجية، لو أنها قرأت خريطة الشرق لما أرسلت جنود إمبراطوريتها ليجوسوا خلال بلاد رمالها متحركة منذ غزاها التتار في القديم ومنذ رسمت بريطانيا وفرنسا خرائطها وحدودها في اتفاقية سايكس بيكو.. لكنهم لا يقرأون التاريخ على ما يبدو، لأنهم مشغولون جداً بكتابة المستقبل.. فأي مستقبل؟
يتهموننا دوماً بأننا لا نقرأ، ربما لا نقرأ الكتب لأننا مطحونون بهموم السياسة التي خلفوها لنا، ولأننا معنيون بمطاردة لقمة العيش التي زاحمونا عليها في عقر دارنا، ولأننا واقعون تحت خطوط الفقر منذ الأزل لأنهم لا يريدوننا أن نكون غير ذلك.. ومن الغباء أننا استسلمنا لما أرادوا!
التاريخ تكتبه الجغرافيا، والسياسة لا تقرأ بعيداً عن الخرائط كما يقول ديغول، وحركة السياسيين الكبار جداً في المنطقة هذه الأيام تقول بأنهم تعبوا أو يئسوا، أو يدبرون أمراً جللاً يفوق التصور!
فإن تعبوا فذلك خير، لأن أوروبا حين تعبت من الحروب الطاحنة التي خلفت على امتداد مئات السنين ملايين القتلى، وقفت وحزمت أمرها باتجاه السلم والهدوء والوحدة ونسيان الخلافات والماضي.. أوروبا شاخت وتعبت من الحرب وصارت لا تريد أن تسمع هذه السيرة أبداً، فمتى تتعب أميركا من الحروب.. لأن العرب تعبوا جداً، الإنسان تعب على كل المستويات ويريد أن يجلس بهدوء ليفكر في مستقبله هو، كما يراه هو لا كما تتمناه مصالح القوى العظمى!!
