جرّب الفلسطينيون الانغماس بكل التنظيمات العربية اليسارية واليمينية، ودخلوا في حوارات مع الدول الشرقية والغربية، لكن الشك جعلهم يستريبون بكل مشروع مطروح من قبل أميركا، أو أوروبا عندما أثبتت التجارب أن كل فكرة تحاول أن تأتي بتنازلات أو اغتصاب للأرض، ومحو فكرة عودة اللاجئين، وأخيراً الحصار على شعبهم بسبب فوز حماس بالانتخابات المشروعة، وبالتالي هناك من يتهمها بالتواصل مع إيران ومنظمات إسلامية متطرفة، وكأنها خارج النسيج الفلسطيني، ولو حدث هذا فإن المبرر كان نتيجة الضغوط الحادة بتجويع شعب ومحاصرته من قبل القوى الكبرى في العالم.

هناك إشكالات بين الفلسطينيين تسببت في اهتزاز الأمن، والاختلاف على طروحات معروضة، وبصرف النظر عن التوجهات المستجيبة لتلك الآراء، والمعارضة لها، فإن الفلسطيني لم تجعله الوسائل الضاغطة مستسلماً، لكنه يحتاج إلى المناورة، وكسب الأرضية في بعض المواقف، لأن عدم الإجماع على خطة واحدة كلف الفلسطينيين الكثير من الخسائر.

الملك عبدالله الثاني، ملك الأردن، سيزور فلسطين، وهي زيارة ليست مفاجئة لكنها مهمة حيث يشاع أنه سيعيد طرح مشروع والده عن "كونفدرالية" بين الأردن وفلسطين، وخاصة بعد مضي سنوات على فك الارتباط مع الضفة الغربية، والمشروع سيثير الجدل مرة أخرى حول السيادة الفلسطينية، لكن المفترض التفكير بشكل جدي بجمع كيانين لهما من التداخل ما يضعهما في الميزان الواحد.

ستكون هناك أعباء وقضايا دقيقة، ومعارضات من مواطني كلا البلدين، لكن لماذا لا نسترشد بالإمارات العربية المتحدة التي استطاعت أن تنجب نظاماً ناجحاً بكل المعاني، حققت معه أعلى درجات التنمية المتسارعة، ولعل طاقات الشعبين الأردني والفلسطيني ومستويات التعليم المتطورة قد تخلق اتحاداً أو وحدة ناجحة تصاغ بنظام يوفر للطرفين أعلى درجات الإدارة الحكومية والشعبية، ودمجهما في عمل واحد.

إسرائيل قد تستريب من مثل هذا المشروع، لكنها قد تجد منافعه أكبر على أمنها ومستقبلها، وهنا لا بد من فهم طبيعة ما يؤهل هذا الكيان إذا ما تم وضع صندوق معونات دولي يرفع مستوى الحالة المعيشية، ويوفر مستلزمات الحياة الكريمة للشعبين، ومن ثم توحيد الجهود في الحلول السياسية بوضع آليات للحوار مع إسرائيل برعاية دولية، واعتبار مشروع الحل العربي هو الأهم، وهي أمور تحتاج إلى قراءة واقعية وفهم بعيد لكل الاحتمالات السلبية والإيجابية.

الأردن بظروفه الصعبة استطاع أن يسجل نجاحاً في التنمية والأمن أفضل من دول مجاورة له أغنى بالموارد والبشر، ومثله تونس التي أسست عملاً باهراً في نجاح السياحة والزراعة وإيجاد وظائف رفعت من مستوى المواطن، وهذه التجارب قد تجعل الإمكانات الأردنية - الفلسطينية أكثر تأهيلاً إذا ما استهدفت تحويل الفرص المستحيلة إلى عائد ناجح سياسياً واقتصادياً، ولعل "الكونفدرالية" مدخل يمكنه تذليل العديد من الصعوبات، بشرط أن تكون النوايا فوق الشكوك أو جني أرباح شخصية على حساب وحدة كيانين مؤهلين لكل شيء.