يبدو أن أهل القارة العجوز ما أشاحوا عيونهم عن العالم العربي على مر التاريخ حتى وهم متوجهون عبر الأطلسي لغزو ما أطلقوا عليه زوراً وبهتاناً أرض القارة الجديدة.
وحفاظاً على هذا التقليد الراسخ والمتوارث على مر الزمن، هاهم قادتهم العسكريون والسياسيون على حد سواء لا ينفكون عن الذهاب والإياب من وإلى المنطقة العربية في جولات مكوكية ممتدة بلا نهايات زمنية أو حتى جغرافية.
وبينما كانت تلك الجولات المشبوهة دائما وأبدا تترافق مع مسوغات وذرائع كان يعتبرها أصحابها ضرورية ، رغم زيفها ، لفتح الطريق أمام تحقيق أطماعهم في المنطقة وترويض العقل العربي ، يبدو أنه ما عاد هناك من حاجة إلى هكذا مقدمات بروتوكولية للتدخل السافر والمتغطرس في شؤون هذه البقعة الجغرافية من العالم ، التي لا يمكن وصفها إلا بالمنطقة المنكوبة من المحيط إلى الخليج بعد أن باتت الانزياحات السيادية باتجاه القارتين القديمة الجديدة ولصالحهما هي سيدة الموقف بكل المعاني والاتجاهات وبلا منازع.
حقا إن المنطقة العربية بأنظمتها العمودية غالبا والأفقية أحيانا قد خرجت منذ زمن من دائرة الحسابات السياسية التقليدية المحكومة بقواعد معروفة تحترمها الأطراف الدولية كافة إن لم تستطع بالطبع لعكس ذلك سبيلا وهذا بالتحديد ما تعاني منه بلدان المنطقة ، حيث باتت اليد الطولى للأجنبي في الإمساك بدفة القيادة والتحكم بمقاليد الأمور على كافة المستويات وفي سائر الاتجاهات.
بحيث أصبح في حكم العادة أو العرف أن يقتصر دور الأنظمة المحلية على ترتيبات إدارية هنا أو إجراءات أمنية هناك وذلك على غرار ما كان يحصل في جمهوريات الموز في أميركا اللاتينية في أواسط القرن الماضي، مع اختلاف طفيف يتعلق بنوعية المنتج وهو في هذه الحالة النفط الذي يجب الحصول عليه، من وجهة نظر ذلك الأجنبي، بأي ثمن وبغض النظر عن الوسيلة، وخير دليل على ذلك ما دأبت عليه الإدارة الأميركية من ممارسات تقشعر لها الأبدان في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان .
ولاسيما تلك المتعلقة باستخدام جيوش من المرتزقة في تنفيذ سياسات دموية تفوق بفظاعتها كل الجرائم التي عرفها الإنسان في تاريخه المعاصر بما فيها جرائم النازية نفسها ، التي يتشدق بها العالم أجمع وتُذرف من أجل ضحاياها الدموع صباح مساء على عتبات صناع قرارات الحروب الجدد في البيت الأبيض الأميركي المحكوم بدوره من قبل حفنة من المحافظين الصهاينة الجدد اللذين تحركهم نوازع دينية إنجيلية - توراتية لا تقل خطورة وتشددا عن أطروحات تنظيم مثل القاعدة أو غيره من التنظيمات الإسلامية المتشددة التي ما كان لها أن ترى النور أصلا لولا تشجيع وتمويل وتدريب وتوجيه تلك الدوائر ذاتها التي تدعي الآن أنها تشن حربا على ما يسمى بالإرهاب العالمي حينا وبالإرهاب الإسلامي في غالب الأحيان.
فلا يكاد يختفي وجه الوزيرة الشاحب عن المنطقة حتى تظهر قدمان متعثرتين لعجوز يكتنفه الغموض والريبة وهو يهبط على حين غرة في مطار بغداد على متن طائرة عسكرية قبيحة اللون والمظهر وبين يديه ملفات ما أعتمد فيها إلا لغة العنف والدم والتلويح بغزو بلدان جديدة من المنطقة ، في إطار مسلسل لا ينتهي من الفزاعات، التي تظهر وتختفي حسب الطلب ووفق مشيئة من يشغل المكتب البيضاوي.
ولمن خانته الذاكرة ، لا بد من التذكير بأن مسلسل الفزاعات ذاك ممتد من التجربة الأفغانية في نهاية القرن الماضي التي اعتمدت على فزاعة الشيوعية ، التي جيشت من أجلها الجيوش وجند الشباب العربي في سبيل درء خطرها عن مضارب الوطن وحماه والتي أنشأت من اجل دحرها حركة طالبان وتنظيم القاعدة ، اللذان أصبحا بدورهما فزاعة الفزاعات مرتين متتاليتين ، الأولى عندما اعتلت حركة طالبان سدة الحكم في أفغانستان والثانية عندما أخرجت هذه الحركة من السلطة عينها. كما كان لهذا المسلسل حلقات دموية في الوطن العربي الكبير.
حيث شكل انتصار الثورة الإسلامية في إيران فزاعة من العيار الثقيل خاض من أجل درء خطرها نظام صدام حسين بدعم عربي وأميركي مهول حربا طويلة ومريرة قل نظيرها في التاريخ وسقط خلالها ملايين الضحايا بلا طائل، ومن ثم تم ترتيب فزاعة صدام حسين نفسه وأسلحة الدمار الشامل والتي يدور بسببها منذ سبعة عشر عاما حربا لا هوادة فيها لا تعرف لها نهاية راح ضحيتها الملايين أيضا والآن يجيء دور الفزاعة الإيرانية وبرنامجها النووي السلمي ودرء خطر تمدد ما أطلق عليه عنوة الهلال الشيعي.
basil@albayan.ae