قبل «الديك الالكتروني» استيقظت فجر الجمعة الماضي. كنت ود. يعقوب الجناحي في منزلي بانتظار الرمز الجليل أحمد الشملان ومعه رئيس المنبر التقدمي ومسؤوله الإعلامي د.حسن مدن وفاضل الحليبي. ومن هناك خفت بنا السيارة إلى المملكة العربية السعودية الشقيقة. كنا على موعد لزيارة أحد أكبر رموز الحركة الوطنية في البحرين المناضل عبدالرحمن النعيمي الراقد في مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض. وحتى لو أنه لم يقل ولم يجبنا بكلمة فإنني أتمنى أنه قد سمع كلامنا إليه وتوسلاتنا بشفائه العاجل.
قبل السفر هممت بأخذ حقيبتي التي اعتدت أن أكتفي بها للسفرات القصيرة. ثم اقتنعت بأن هذه السفرة أقصر من أن تحتاج إلى حقيبة. قبل أن أعيدها شعرت بدوار، خيل إلي وكأنها تقول شيئاً، إنها حقيبة عبدالرحمن في الأصل. أفرغ منها أوراقه لأضع أغراضي يوم ضاقت بي المنافي العربية فحاولت الهجرة إلى الفضاء الأوروبي.
تلك الرحلة عادت بي إلى العالم العربي ثانية. لكن سلواي كانت في أن العمل الخارجي أصبح أكثر حيوية. تطور العمل المشترك بيننا لدرجة أن توحدت الفجر و«5 مارس» في نشرة «الأمل» التي علق عبدالرحمن النعيمي بعد صدور عددها الأول بمزاحه الجدي: «ومتى العمل؟».
أنزلت «حقيبتنا» مكانها ومكانتها، وجلست إلى جهازي لتستعرض شاشته كثيرا مما يجمعني مع هذا الإنسان الكبير. بداية القرن الجديد التي ترافقت وبداية عملية الإصلاح أعادتنا إلى الوطن وأعادت إلينا أسماءنا وألقابنا الحقيقية التي أخفيناها تارات وصودرت تارة. في الخارج لاحقني بعض من كشف أن النعيمي لقب عبدالرحمن هو لقبي أيضا بسؤال ما إذا كنا أخوة. وقد انطلى الأمر على كثير من البحرينيين أيضا. نعم، كنا ونظل أخوين لم تلدنا أم. وكما يتعانق ويتشاجر أخوان في بيتهما، كذلك كنا في حاضنتنا المشتركة - التيار الوطني الديمقراطي.
بلورة هذا التيار هي أكبر خدمة نسديها إلى التيار نفسه، وإلى الحركة الوطنية والبلاد برمتها، تحت هذا الهاجس جئنا لنبدأ العمل الوطني في الداخل. وكانت المحاولة «الأولى» لفعل ذلك هي بناء الهيكل التنظيمي الذي يستوعب هذا التيار. في اللجنة التحضيرية اقترحت اسم «جمعية العمل الوطني الديمقراطي» الذي لم يحظ بموافقة الأغلبية، لكنه رفع إلى المؤتمر التأسيسي كأحد المقترحات.
وهناك أخذت أبرر لماذا العمل، الوطني، الديمقراطي. ووجدت في كل من عبدالرحمن النعيمي وعلي ربيعة نصيرين قويين، فأخذت الجمعية هذا الاسم. لكن الدروب شاكت حول ماهية الجمعية، هل هي تعبير عن جبهة تضم المكونات المتكافئة للتيار الوطني الديمقراطي أم بديل ناسخ لها؟، تحقق إنجاز الجمعية، وهو كبير، لكن بناء التيار لا يزال مهمة تنتظر الإنجاز.
في 14 أبريل 2002 توجه فقيدنا الكبير أحمد الذوادي رئيس المنبر الديمقراطي التقدمي برسالة إلى أخيه عبدالرحمن النعيمي رئيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي يشير فيها إلى حديث شفوي بيني وبين الأستاذ علي ربيعة حول أهمية عقد لقاء بين الجمعيتين لمناقشة أمر بلورة التيار الوطني الديمقراطي والعلاقة مع القوى السياسية الأخرى ومع القيادة السياسية وأمر وحدة الحركة الوطنية ككل. كما دعت الرسالة إلى التنسيق حول الانتخابات البلدية المقبلة. بعد أن وقع أبو قيس الرسالة قلت له بأن هذه الرسالة هي هدية عيد ميلادي.
لم يتحقق تقدم يذكر. وسارت الانتخابات البلدية دون أدنى تنسيق. لكن عبدالرحمن النعيمي لخص تلك الانتخابات في مقالة كتبها في 15 يونيو العبرة المهمة للتيار الوطني الديمقراطي منها: «لم يعد سرا تلك الاتصالات واللقاءات التي تدور بين الجمعيات الديمقراطية والشخصيات الوطنية والديمقراطية والليبرالية لدراسة أوضاعها وعلاقاتها مع بعضها، والأسباب الذاتية والموضوعية للهزيمة التي منيت بها في الانتخابات البلدية، وما يجب القيام به في الفترة المقبلة لتكون قوة مؤثرة سياسية تعكس ليس فقط واقع القوى الاجتماعية التي تمثلها، وإنما تطلعات الكثير من الفئات الاجتماعية المتنورة، للمستقبل الذي تريد البحرين أن تكون عليه، وخطط التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية المستقبلية».
كما كتب بأن علينا «أن نقف إلى جانب المشروع الإصلاحي مادام القائمون على المشروع يسيرون في الطريق الصحيح، وعلينا أن نقول لهم كلمة الحق عندما يقدم لهم بعض المستشارين - سامحهم الله - مشورة خاطئة أو تنهض بعض قوى الحرس القديم لتسترد مواقع لها، أو تتقدم بعض القوى المتخلفة في المجتمع لتثير مخاوف من التراجع عن المكاسب الاجتماعية التي تحققت، عبر اجتهادات بعض رجال الدين أو المحافظين العاجزين عن مواكبة التطور والتقدم أو الرافضين للحريات العامة وخاصة الشخصية حيث انهم مسكونون بالنزعة الشمولية القمعية، ولديهم مقاساتهم الخاصة لكل تصرف صغير أو كبير، في البيت وخارجه، في الوقت الذين يؤكدون تمسكهم بالدستور واحترامهم للميثاق الوطني».
تركت قلم عبدالرحمن نفسه يحدثكم عن جوهر موقفه من مسألة قيام التيار الوطني الديمقراطي. ولئن كانت التكتيكات السياسية قد أعاقت هذا الهدف الاستراتيجي كثيرا، فإنني أرى في كلماته رميات مهمة للمستقبل. هذا هو ابن الشعب البار. و«جريمته أن عبأ الطاقات الشعبية وتصدر الصفوف في هذه المعركة غير هياب، ولا مبال بمستقبله، بصحته، بوضعه العائلي، بالاستحقاقات التي يجب عليه تقديمها».
الفقرة الأخيرة ليست من عندي عن عبدالرحمن، بل كتبها هو عن المرحوم الشيخ عبدالأمير الجمري بصدد محاكمته عام 1999. لكن كم يصدق هذا القول على عبدالرحمن الذي هو معتقل الزمان الآن؟
أيها الزمان، هذا الأسير بين قبضتيك بريء من كل تهمة، إلا انحيازه الاجتماعي لكادحي شعبه. أطلق سراحه ليعود بين صفوفنا.
كاتب بحريني
ajnoaimi@gmail.com