موجة العنف السياسي تضرب باكستان. المواجهات الدامية التي وقعت في مدينة كراتشي بين أنصار الحكومة وخصومها، تبدو أكثر من حادثة عابرة أو وليدة ظرف طارئ. الخلفية تشي بذلك. وأيضاً حجم ضحاياها: نحو 35 قتيلاً ومئة جريح. طبعاً لها عواملها المحلية الخاصة. لكن المناخ الذي استولدها لا يختلف كثيراً عما هو سائد في الجوار: صراعات كسر عظم وأوضاع نازفة؛ من أفغانستان إلى غزة مروراً بالعراق.
ناهيك بالبؤر الأخرى الواقفة على شفير الاشتعال. كذلك هو لا يختلف معها من حيث غياب الحوار بين الأطراف المتخاصمة. ففيها كلها يجري الاحتكام للسلام، أو للشارع المتأهب للعنف. ثم انها هي كلها تتشابه لجهة حالة التعطيل ـ أو ما يشبه التعطيل ـ الذي تعيشه مؤسساتها.
أحداث كراتشي جاءت في سياق حالة احتقان مديد. أخذ شحنته الزاخمة من حادثة إقالة الرئيس الباكستاني للقاضي الأول في البلاد؛ منذ حوالي شهرين. كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. بيد أن عوامل المواجهة كانت تتراكم منذ فترة، تخللتها مناوشات واحتكاكات؛ بدا من سياقها أن غيوم العاصفة تتجمع في الأفق، غير البعيد. وربما كان التخندق وانقطاع التواصل، بحثاً عن مخرج على قاعدة التنازلات المتبادلة قد ساهم في رفع وتيرة التأزيم، إلى درجة بات الوضع معه جاهزاً للالتهاب، عند أقل شرارة.
لغة التحدي المتبادل ـ وهي اللغة الطاغية في هذه المرحلة، على امتداد المنطقة ـ كانت محكومة بوقوع الصدام. والأخطر أنه في مثل هكذا حالات وعندما تحصد المواجهات مثل هذا العدد من الضحايا، تنفتح الأبواب وتدخل دورة العنف بدوامة تستبد بالوضع إلى حين. هذا ما تنطق به مثل هذه الدورة في الساحات المجاورة؛ مع اختلاف الظروف والمعطيات والنماذج كثيرة. عندما تسود لغة التصعيد يصير الانسداد محطة حتمية. يتلوه الانفجار كتحصيل حاصل.
ومن هذه الزاوية حسناً فعلت إسلام أباد بصرفها النظر عن خيار إعلان حالة الطوارئ فمن شأن هذا الإجراء، لو تم اللجوء إليه، زيادة الطين بلّة. في غيابه على الأقل تبقى القنوات مفتوحة، مبدئياً، لمحاولات الاستدراك وتقليل الخسائر. أما معه فقد تبقى الأزمة محكومة بالمزيد من التعقيد والنزف، خاصة وأن باكستان قادمة على استحقاق رئاسي قريب في الخريف القادم. مواجهته في ظل أزمة وانقسام حادين، لن تكون عملية سالكة، ناهيك عن تداعياتها التي تكون ربما، ذات أبعاد شديدة الخطورة.
الاستحقاق هذا نفسه كاد أن يفجّر أزمة عاتية، قبل أيام في تركيا. وهي ساحة لا تزال نسبياً الأكثر هدوءاً واستقراراً في المنطقة. فكيف في ساحة ملتهبة مثل باكستان وعلى قاعدة جولات دامية وظروف طوارئ؟
ما وقع في كراتشي يثير القلق. فهو يندرج في خانة العنف السياسي الأسوأ الذي لم تعرفه البلاد منذ سنوات. الأطراف الباكستانية نفسها، من حكومية ومعارضة، أعربت علناً عن قلقها ومخاوفها من اندفاع الأمور إلى هذه النقطة.
ليس فقط لأن حصيلتها كانت مفجعة، بل أيضاً لأن قوة انفجارها تؤشر إلى مدى ما تختزنه الساحة من مخاطر وتهديد لاستقرار وأمن باكستان، التي يجب أن تنجح قواها في سحب فتيلها قبل الأوان.