لم يتسن لي حضور الجلسة العلنية للمجلس الوطني الاتحادي التي «ناقش» فيها المجلس سياسة وزارة التربية والتعليم، لكني شاهدت تسجيلاً لذلك النقاش، وأضع هنا عشرين خطاً تحت كلمة «نقاش» لأن ما حصل في المجلس لا يمت للنقاش بصلة لا من قريب
ولا حتى من أبعد البعيد، بل كل ما سمعناه ورأيناه ـ من البعض وليس الكل ـ مع الأسف كان محاولات لفرد عضلات الحبال الصوتية و«شو» أمام عدسات وسائل الإعلام في أسلوب استهجنه كل من حضر الجلسة ومن علم بما دار فيه
لأنه ببساطة خلا من أدنى قواعد النقاش والحوار وأعادنا من جديد إلى نقطة اعتقدنا أن الأعضاء الجدد قد استوعبوها وهي الوعي بالثقافة البرلمانية واحترام مهابة القاعة التي يجلسون فيها وبالتالي الارتقاء إلى ذلك المستوى، لكن يبدو أن ذلك بعيد.
ولم نشعر بالأعضاء إلا وكأنهم طلبة يتناقشون في جلسة اتحاد طلابي لا يراعون فيها قواعد النقاش ولا يلتزمون بأصول الذوق العام في التحاور مع بعضهم فلا نظام ولا ترتيب طرح الأسئلة، عضو واحد يستحوذ بأسئلة عديدة من الأسئلة المقررة للآخرين
حتى إذا ما جاء الدور لطرح ما لديه رأيناه يكرر طرح سؤال سبق وأجاب عنه «المستجوب» حتى امتدت الساعات إلى ست ساعات ونصف أصيب الناس بالملل من التكرار في جلسة كانت تكفيها ساعتان أو ثلاث على الأكثر.
أو كأنهم طلبة في فصل غاب عنه معلمه فظهر الشغب بل أدق تشبيه لحال المجلس كان وكأنهم عند الجمرات كل عضو يرمي ما تطاله يداه يرمي في كل الاتجاهات من غير أن يعلم إن كان أصاب الهدف أو أحدث فيه جرحا أو «طاشت منه الرمية» فمن سمع المداخلات والنقاشات والأسئلة شعر
وكأن بعض الأعضاء قادمون من كوكب آخر لا يعرفون واقع التعليم في البلاد وراح كل منهم يطرح أمورا وأسئلة سئمها الناس لكثرة ما طرحته الصحافة اليومية ولدينا إجابات وافية عنها، و سبق أن أجاب الوزير عنها عشرات المرات وبالتالي فإن مجمل أسئلة هؤلاء كانت مكررة وتقليدية
ولم تضف الجلسة أي جديد، فلا أرقام ولا إحصائيات ذكرها الأعضاء حول المشكلات لمعرفة حجمها ومداها لأن كل الأسئلة والمعلومات التي وردت فيها معلومة للجميع، ومجمل الموضوعات قيد العمل وهناك استراتيجية شاملة لم تعلنها التربية بعد.
وبالتالي فإن الساعات الطويلة التي استغرقت لجلسة التعليم ذهبت سدى، ولم تحقق النقاشات سوى الـ «شو» لمن كان ذلك هدفه ولم يكسب فيها إلا من آثر الصمت وجلس «متفرجاً» لا أدافع هنا عن أحد فلست معنية بذلك، ولا هم لي في النهاية سوى الوطن والمواطن، وما حدث في جلسة الأسبوع الماضي لا يخدم الوطن
ولا قضية التعليم ولا غيرها فلا فائدة ترتجى من نقاش يخلو من النظام وقبله الذوق في سوء فهم صارخ لمعنى النقاش وقبله الإعداد المسبق الجيد لما يراد طرحه وعرضه حتى يكون النتاج أكثر فائدة.
لاحظنا في الجلسة الماضية تأثر البعض من الأعضاء بما يحدث في مجالس البرلمان في بعض الدول والذي لا يتسق بتاتا مع مجتمعنا، مرده سوء فهم أن الحدة والتخلي عن الأصول واستغلال ذوق الطرف الآخر هي التي تصنع العضو البطل وعن طريقها يكسب «السمعة» و «الأصوات» مستقبلا.
وكان الأحرى بهؤلاء الأعضاء بدلا من محاولات تقليد البرلمانات العربية «الفاشلة» أن يحذوا حذو البرلمانات المتقدمة التي يعرف الواحد ما له وما عليه، ويحترم القانون ويلتزم بالوقت المحدد له في خمس دقائق لا يحولها إلى عشر متجاهلا كل النداءات التي تأتيه من المراقبين تعلمه بانتهاء الوقت، هنا نقترح على الأمانة العامة للمجلس استحداث نظام قطع الصوت عن العضو «الثرثار» كما هو الحال في الدول المتقدمة.
نقدر لأعضاء المجلس الوطني حرصهم على قضايا الوطن ونحترم أيضا حماسهم لإيجاد حلول مجدية وسريعة لهمومهم، لكن كل ذلك لا يبرر ما حدث، ولا بد لهؤلاء أن يدركوا أهمية الوقت وعليه لا بد من الدخول في الموضوع مباشرة بعيدا عن المقدمات والخطابات والتطاول على ممثلي الحكومة
وأن يقتدوا في هذا بنهج حكومتنا المتزنة التي لا تعرف هذا الأسلوب في طرح قضاياها ومشكلات مواطنيها بل تجنح على الدوام إلى السلم والأسلوب الهادئ في الحوار والنقاش لإيصال ما لديها إلى الطرف الآخر من غير تشويش.
تذكرت وأنا أشاهد السادة والسيدات أعضاء المجلس في الجلسة الافتتاحية التي أدوا فيها القسم باحترام الدستور والعمل بقوانينه ولم تكد تمضي دقائق حتى بدأت الجلسة الأولى فإذا بأول رد فعل يصدر منهم وصف الدستور بأنه قديم !
