تظل القضية الفلسطينية على مدى صراعها الطويل تستعصي على كل محاولات التحليل التي تلجأ إلى دراسة الظواهر من حيث علاقة الأسباب بالمسببات أو المقدمات بالنتائج، فما يظهر من واقع مقاومة واهن قياساً بالقوة الاسرائيلية الساحقة لا يشي بإمكانية ميل الكفة لصالح المقاومين الذين تحصدهم آلة الدمار الاسرائيلية يوميا على أمل القضاء عليهم، لكن النتائج لا تأتي متطابقة مع المقدمات حيث يظهر مع كل يوم جديد عناصر مقاومة لم تكن في الحسبان من قبل، كذلك فإن تمزيق أواصر الشعب الفلسطيني بالعزل والإبعاد والنفي والتشريد واقامة الجدران العنصرية الفاصلة ونقاط التفتيش التي لا تكف عن استفزاز الفلسطينيين لم تفت في عضدهم أو توهن شوكتهم ومع حلول منتصف هذا الشهر تكون قد حلت الذكرى الستون لنكبة فلسطين، ويزداد بريق القضية ويزداد الشعور الدولي بها، ويزداد أيضاً الشعور بتأنيب الضمير لدى الذين نصبوا من أنفسهم وسطاء في القضية ثم انحازوا انحيازاً مخزياً الى الجانب الاسرائيلي. واذا بالمحنة الفلسطينية تتحول الى لعنة تطارد كل من حاول إخماد توهجها أو عرقلة مسيرة النضال الفلسطيني والعربي لحماية أركان القضية سواء بالدفاع المسلح أو بالعمل السياسي والدبلوماسي.

ستة عقود مرت على أول المسيرة النضالية لاسترجاع فلسطين، وإذا بالستة عقود تصنع عناقيد غضب يتعاظم كلما حاولت الأطراف المتواطئة احتواءه أو تخطيه أو وأده تحت ركامات التصريحات أو المواقف الدعائية أو الطروحات الخاوية من أي مصداقية وكلما انفجر الغضب المكبوت بفعل (تسويف) القضية نجده يتحول إلى قنابل عنقودية تصيب أماكن لا علاقة لها بالقضية جغرافياً او سياسياً حتى بات المعنيون بالقضية والوسطاء فيها يهربون من لعنتها إلى حيث لا يجدون ملجأ ينجيهم من عواقب خيانتهم لضمائرهم، بينما كانوا يحسبون أنهم يبنون قلاعاً من الحصانة الدولية ضد أية مساءلة على ما اقترفوا من (أخطاء) في حق الشعب الفلسطيني، فإذا بالقلاع تتهاوى أمام أزمات متشابكة تعود جذورها جميعا الى القضية الفلسطينية باعتراف كل الأطراف ومراكز البحث ومعاهد الدراسات التي أصدرت مئات المجلدات راصدة فيها مراحل التفريط التي لم تزد القضية الا صلابة وتماسكاً.

المستعمرات التي بنتها اسرائيل لم تتحول الى جنة للمهاجرين اليهود كما زعموا، وزادت نسبة الهجرة الى خارج اسرائيل، التهديدات الخارجية لاسرائيل من جهات غير فلسطينية تتعاظم مع مرور الوقت، شركاء اسرائيل في جريمة اغتصاب فلسطين ينتقلون من أزمة إلى صراع إلى حرب فيزدادون وهناً وإنهاكاً يقعدهم عن مواصلة دعم موكب النفاق التي اعتادت عليه اسرائيل، وفي نفس الوقت ظلت راية النضال تتناقل من يد شهيد إلى يد آخر مع إرادة لا تلين وطاقة للكفاح لا تضمحل ومع جنازة كل شهيد تتوالد في نفوس عشرات بل مئات من مشيعيه رغبة في الشهادة من أجل القضية، وفي كل مناسبة لإحياء ذكرى النكبة يرفع أطفال فلسطين مفاتيح ديارهم التي طردت إسرائيل آباءهم وأجدادهم منها، فهم يتمثلون أركان قضيتهم وحدود بيوتهم حتى لو كانت قد اغتصبت قبل ميلادهم.

وها هي الذكرى الستون لاغتصاب فلسطين تعود في حال صار فيه المنتصر مهزوماً ينتظر اللحظة المواتية للجلوس على كرسي الاعتراف.