ثمة شكوك جدية تحوم في أفق المنطقة حول حقيقة النوايا الأميركية تجاه الملفات الساخنة المختلفة في إقليمنا العربي والإسلامي، فهي من جهة تزعم أنها لا تريد اللجوء إلى الخيار العسكري لحل أي من المخاصمات الأخرى المتورطة فيها غير العراق وأفغانستان

كما تزعم أنها بصدد تدوين قواعد لاستراتيجية جديدة لما بات يعرف في الأروقة الأميركية الخلفية بـ «الخروج المشرف» من هذين المستنقعين، لكنها لا تنفك من جهة أخرى تمارس أقصى درجات الحرب النفسية والدعائية ضد كل من إيران وسوريا وقوى المقاومة اللبنانية مهددة إياها بأنها ستواجه عقوبات قاسية

وقد تكون مدمرة إذا ما استمرت في نهج الممانعة تجاه البرنامج الأميركي الذي بات يعرف «بالشرق الأوسط الجديد»!من ناحية أخرى فإن واشنطن تسعى جاهدة وبكل الطرق والأساليب العلنية والسرية لممارسة أعلى درجات الضغط على دول المنطقة

لا سيما دول الخليج من أجل وضعها في جو نفسي وأمني ضاغط يجعلها تقف أمام خيارين «أحلاهما مر» فإما أن تنخرط كما تطالبها يومياً وبإلحاح في معركة مفروضة بين معسكر ما تسميهم «الراديكاليين» ومعسكر ما تطلق عليهم «المعتدلين» والذين تطالبهم بالانضمام إليها حباً أو كرهاً!

وفي هذا السياق يرى المعتقدون بأن الأحادية الأميركية في المعادلة الدولية قد انكسرت وأن المحافظين الجدد وحلفاءهم الإسرائيليين وقلة من الأوروبيين ممن لا يزال يتودد إليهم، ان سبب هذه الإشارات الأميركية المتناقضة إنما يهدف إلى تأمين «الانسحاب المشرف» من المنطقة بأقل الخسائر الممكنة

ومن خلال إبقاء الجميع في حالة استنفار دائم مترجرجة بين خيارات السلم والحرب، مبقية بذلك زمام المبادرة دوماً بيد القوة الأميركية العسكرية والدبلوماسية والدعائية الضاربة؛ مانعة بالمقابل قوى الممانعة والمقاومة من التقاط الأنفاس

فضلاً عن التخطيط لتوسيع دائرة التعاون الإقليمي والدولي بوجه تيار الحرب والمواجهة، وهو ما يعني عملياً ترويع الجميع وإرهابهم وجعلهم أسرى السيف المسلط على رقابهم بحجة وجود قوى غير متعاونة مع صاحب الطموح الامبراطوري، والذي يسعى بكل جهده لمنع إعادة إحياء العالم المتعدد الأقطاب كما كانت عليه الحال قبل الحادي عشر من سبتمبر والحرب الباردة.

غير أن أي متتبع دقيق للتحركات الأميركية في المنطقة والعالم سرعان ما يكتشف إذا ما تمعن جيداً بصورة الأميركي المنكسر والمنهك في كل من العراق وأفغانستان، بأن هذا الأخير إنما يتخبط في سياساته العامة، ولا يملك استراتيجية واضحة لمستقبل المنطقة والعالم،

فضلاً عن كونه أعجز ما يكون عن شن أي حرب جديدة ضد أي بلد عاق أو متمرد على المشروع الأميركي الإمبراطوري، ولا حتى توجيه ضربات عسكرية جدية أو مؤثرة وفاعلة تجاه أي من أعضاء محور الشر التقليديين ولا تجاه أي من القوى التي تفكر بالتمرد عليه مستقبلاً، بعد أن أصبح مثل هذا الخيار أقرب إلى المستحيل منه إلى الممكن والمتاح!

فالعالم قد تغير تماماً وأميركا لم تعد أميركا التي عرفناها في أوج عنفوان المحافظين الجدد، فها هي روسيا تتجرأ في مهاجمة سياسات أميركا وتصفها بالمهددة للأمن والسلام الدوليين منذ الخطاب الناري للرئيس بوتين في ميونيخ، وها هي الصين لم تعد تبالي برضا أميركا عنها، وهي تعبر القارات لتأمين مصالحها الطاقية المباشرة بعيداً عن أعين مراقبة الأميركيين،

وها هي أميركا اللاتينية التي ظلت حتى الأمس القريب حديقة الولايات المتحدة الأميركية الخلفية تتمرد ضد واشنطن وتتجرأ عليها بقرارات شجاعة من بينها تأميم المصالح النفطية والمعدنية الحيوية كما فعل شافيز دون أن تتمكن واشنطن حتى من أن تقول له «فوق عينك حاجب!»، وها هي إيران تمضي قدماً في برنامجها النووي غير مبالية بكل تهديدات أميركا وموجات الهلع والرعب والتهويل التي تنشرها من حول محيطها الإقليمي.

وها هي حكومة حماس المتحدة مع فتح مستمرة في صمودها ومقاومتها، وها هو حزب الله الذي حركت واشنطن قاعدتها العسكرية المتقدمة في المنطقة في الصيف الماضي لتدميره، يبدو وكأنه قد أعاد تدريب قواته وتسليحها ليبدو أصلب عوداً من ذي قبل،

بل وها هي المقاومة الصومالية الطرية العود تظهر وكأنها الأقوى في معركة عض الأصابع التي تشنها ضدها القوات الإثيوبية المحتلة المدعومة أميركياً، هذا ناهيك عن إجمالي الممانعة العراقية التي تتقدمها قوى المقاومة العراقية وصولاً إلى التململ الذي تبديه مختلف الأطياف السياسية والدينية العراقية من سوء الإدارة والأداء الأميركي في المسألة العراقية،

هذا بالإضافة إلى التخبط الخطير الذي تعاني منه واشنطن هي وحلفاؤها من قوات حلف الأطلسي في أفغانستان، حتى باتت قاب قوسين أو أدنى من إعادة الاعتبار لحركة طالبان التي بدأت شن الحروب ، باعتبارها حركة «ظلامية» إرهابية متخلفة غير قادرة على إدارة شؤون الناس في عصر الديمقراطية والتحرر والتقدم والرفاهية والأمن والاستقرار العالمي!

ثم أين هي الإدارة الأميركية اليوم من مواقف عقلاء أميركا وأكثرية الرأي العام الأميركي الذي بات يسخر منها ويطالبها كل ستة من أصل عشرة بالانسحاب من العراق وأفغانستان ويعتبر عتاة السياسيين والمحنكين الأميركيين أمثال بريجينسكي وكيسنجر بأن النصر بات مستحيلاً، ولم يبق أمامها إلا استراتيجية الخروج المشرف، وأن هذا الخروج المشرف لا يمكن أن يتحقق من دون الجلوس مع السوريين والإيرانيين إلى طاولة مفاوضات مشتركة؟!

إن إدارة بمثل هذه الحالة من الظروف المحيطة بها كيف بإمكانها أن تخيف أحداً مهما ضعفت قواه؟ فكيف بها أن تخيف دولة مثل إيران أو منظومة إقليمية ممتدة من خوست إلى طهران إلى النجف إلى دمشق إلى بيروت إلى غزة والقرن الإفريقي؟

ثمة من يقول إن الإدارة الأميركية تحاول الإيحاء للرأي العام عندها بأن حكّام المنطقة بمن تسميهم بالمعتدلين هم الذين يطلبون منها القيام بمهمة تأديب الخارجين على الشرعية الدولية من دول الجوار العراقي الذين لا يسايرونها في سياسة بسط نفوذها انطلاقاً من السيطرة الكاملة على العراق إلى سائر منطقة الشرق الأوسط الكبير،

وبالتالي فهي تُرسل رايس مرة وديك تشيني بين الفينة والأخرى إلى دول المنطقة تحت ذريعة إنقاذ العراق، مما تسميه الإدارة الأميركية من النفوذ الإيراني المتزايد هناك، هذا في الوقت الذي لا يشك فيه زعماء دول المنطقة بالتصريح بأنهم لا يريدون حروباً جديدة وانهم يريدون حلولاً سلمية للنزاع الأميركي الإيراني بالذات! الأمر الذي يجعل أهداف المحافظين الجدد من تحركاتهم أكثر شبهة من أي وقت مضى!.

كاتب إيراني