أجلت وزير ة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس زيارتها للأراضي الفلسطينية وإسرائيل وبعض دول المنطقة التي كانت مقررة هذا الأسبوع إلى أجل غير مسمي. وقيل من أطراف فلسطينية وغير فلسطينية ان السبب هو تصاعد الأزمة الإسرائيلية الداخلية وما خلفه تقرير لجنة فينوغراد حول نتائج الحرب الإسرائيلية الأخيرة علي لبنان من ردود أفعال،

وكذلك تحفظ الحكومة الإسرائيلية على الخطة الأمنية الأميركية التي تم طرحها مؤخراً، وهي الخطة التي نفت الحكومة الفلسطينية موافقتها عليها بينما أيدها الرئيس أبومازن! واللافت هنا أن تأجيل زيارة كوندوليزا رايس رافقه الإعلان عن زيارة مفاجئة لنائب الرئيس الأميركي ديك تشيني لدول المنطقة.

وهي زيارة لا يفترض أن تكون لها علاقة بالملف الفلسطيني إلا من حيث انحياز نائب الرئيس الأميركي ـ بوصفه قائد المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية ـ انحيازاً مطلقاً لإسرائيل وهو يتناول كل ملفات المنطقة، واعتباره المصلحة الإسرائيلية أولى بالرعاية حتى ولو على حساب المصلحة الأميركية نفسها

كما حدث في شن حرب العراق التي يتحمل تشيني المسؤولية الفعلية عنها والتي يطالب بعض نواب الكونغرس الأميركي الآن بعزله ومحاكمته بسبب ما ارتكبه من جرائم بحق الشعب الأميركي أولاً بتوريط بلاده في حرب كبدتها آلاف القتلى ومئات المليارات من الدولارات ووضعت مصالحها في المنطقة في دائرة الخطر. من أجل عيون إسرائيل قبل أي شيء!

زيارة تشيني للمنطقة تأتي في إطار المحاولات الأميركية لترتيب الأوضاع في العراق لإنقاذ أميركا من ورطتها، كما تأتي في إطار استعداد أميركا لكل الاحتمالات في صراعها مع إيران والتي لا يخفي تشيني وصقور الإدارة الأميركية العاملين في فريقه رغبتهم في التصعيد معها رغم معارضة الرأي العام الأميركي وإدراك جناح آخر حتى داخل الإدارة الأميركية مدى الكارثة التي يمكن ان يقود إليها مثل هذا الصدام.

غياب رايس وحضور تشيني يثيران الكثير من علامات الاستفهام حول ما يخطط للمنطقة في هذه الفترة الدقيقة التي تتصارع فيها الإرادات داخل الإدارة الأميركية والتي تبدو كل الاحتمالات قابلة للتحقيق في محاولة واشنطن للخروج من مأزق العراق واستعادة السيطرة علي الأوضاع في المنطقة التي تمثل لها هدفاً استراتيجياً مهماً لسنوات عديدة مقبلة.

وقد كانت الأمور تشير في العام الأخير ـ ومع ثبوت الفشل الأميركي في العراق ـ إلى أن ملف قضايا المنطقة قد عاد للخارجية الأميركية بحثاً عن أفق سياسي ينقذ واشنطن من ورطتها. وكان سقوط رامسفيلد لا يعني فقط تحميله الفشل العسكري في العراق، بل كان يعني أيضاً أن تحالفه مع تشيني الذي سيطر على القرار الأميركي ليس في العراق فقط بل في المنطقة،

واعتمد سياسة استخدام القوة العسكرية وإطلاق يد إسرائيل في الأراضي الفلسطينية وتحويل العرب إلى شعوب متهمة بالإرهاب لا تعرف إلا لغة القوة لإجبارها على الخضوع للأهداف الأميركية.. هذا التحالف الفاشستي قد انهزم، وترك المهمة للسياسة والدبلوماسية في محاولة إصلاح ما تم تخريبه.

ورغم استمرار الفشل في العراق، ورغم فشل الحرب الإسرائيلية على لبنان التي دعمتها الخارجية الأميركية، ومع تصاعد المواجهة مع إيران، تبلورت ملامح استراتيجية أميركية جديدة للمنطقة، تعيد فيها واشنطن اكتشاف أن فلسطين هي القضية المركزية التي ينبغي بذل الجهود لتسويتها حتى يتم سحب البساط من تحت أقدام المتشددين،

وحتى يمكن للاتجاهات المعتدلة أن تستعيد مواقعها ومصداقيتها لدى شعوبها، وبالتالي يتم الاستعانة بها في الخروج من المأزق العراقي من ناحية، وفي التصدي لنفوذ طهران الذي أعطته أخطاء أميركا وتدمير العراق فرصة العمر ليمتد إلى العراق وإلى باقي المنطقة.

وفي ظل هذا التوجه تحركت الدول العربية «المعتدلة» فكان الاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية على قاعدة احترام «الالتزامات» السابقة واستمرار الهدنة. ثم كانت قمة الرياض وإعادة انتاج المبادرة العربية وفتح الأبواب لنوع من التطبيع بمجرد إبداء حسن النوايا الإسرائيلية

وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الانتفاضة في 28 سبتمبر 2000. وبعدها جاءت التصريحات المثيرة للجدل للعاهل الأردني حول إسقاط حق العودة وإخضاع المبادرة للتفاوض. وبينما كان الفلسطينيون ينتظرون خطوة أميركية تترجم الالتزام بأولوية القضية الفلسطينية، إذا بالإدارة الأميركية تبقي على الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، وترفض التعامل مع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية،

ثم تطرح في النهاية مبادرتها الجديدة التي تركز فقط على توفير الأمن لإسرائيل مقابل إزالة بعض الحواجز وتسهيل انتقال الفلسطينيين في أراضيهم، وهو أمر اعتبرته الحكومة الإسرائيلية خطراً عليها (!!) حتى ولو كان على الفلسطينيين ـ بموجب المبادرة الجديدة ـ أن يلقوا السلاح ويتخلوا عن المقاومة

ويقبلوا بحق إسرائيل في شن عملياتها العسكرية المدعومة أميركياً متي شاءت، وأن يستمر الحصار المفروض عليهم حتى تقبل واشنطن وتل أبيب توبتهم، وهو فضل ـ لو تعلمون ـ عظيم!! من ناحية أخرى، كان يتم استغلال مناخ التهدئة على الجبهة الفلسطينية انتظاراً للحل الأميركي الموعود،

لتسريع الخطوات في توفير دعم الدول العربية ودول الجوار ـ لخلق أوضاع تسمح بالخروج الأميركي من العراق وتلقي العبء على من كانت واشنطن ترفض أن يكون لهم أي دور هناك بدءاً بالأمم المتحدة وانتهاءً بالدول العربية.

وكانت اجتماعات شرم الشيخ آخر التحركات المهمة في هذا المضمار، والتي تبنى على قاعدة أن العراق لم يعد مشكلة أميركا وحدها بل هو مشكلة دول المنطقة وبالتالي فعليها أن تتحمل عبء إخراج أميركا من هناك، وعبء التعامل مع التركة الثقيلة التي ستتركها وراءها، وإلا فسوف تدفع هذه الدول الثمن غالياً من أمنها واستقرارها.

وفي الوقت نفسه كانت السياسة الأميركية تدفع نحو مواجهة عربية ـ إيرانية تساعدها في التعامل مع الملف الإيراني. وكانت تحاول إعلاء نبرة الصراع السني ـ الشيعي في المنطقة، وتحاول استغلال ذلك في إنشاء تحالف عربي من الدول «المعتدلة» تحاول أن تصدر له فكرة أن الصراع مع إيران الشيعية له الأولوية حتى على الصراع مع إسرائيل.

ورغم جهود السياسة الأميركية فقد كان أساس التحرك العربي ومازال أن صداماً شيعياً ـ سنياً ينبغي ألا يقع بأي حال من الأحوال، وأن حرباً أميركية (أو إسرائيلية) ضد إيران ستكون كارثة على المنطقة. ولكن المشكلة أن سلوك طهران في بعض جوانبه كان يعطي اليقين لدى الأطراف العربية بأن العرب سوف يدفعون ثمن الحل المرتقب للأزمة الأميركية، سواء كان هذا الحل حرباً أم وفاقاً غير مستبعد.

والمهم هنا أن التحركات الأميركية في هذا المجال كانت موكولة لكوندوليزا رايس بما فيها اللقاءات مع مسؤولي الأمن في الدول العربية الذي التقت بهم أكثر من مرة.والآن ترجئ رايس زيارتها للمنطقة، ويفاجئنا تشيني بزيارته. فهل انتهت فترة التمهيد التي أشرفت عليها رايس، وجاء وقت القرار الحاسم الذي سيتخذه تشيني لكي يعتمده الرئيس بوش بعد ذلك؟

إن تشيني يأتي وإسرائيل تمر بأزمة، ولكن أولمرت مستمر في موقعه والتأييد الأميركي كامل له. والذي ينبغي الالتفات إليه أن ما يسوقه أولمرت كمبرر للبقاء هو أنه إذا كان يتحمل مسؤولية الأخطاء التي وقعت في حرب لبنان، فإنه وحده القادر على تصحيح الخطأ.. كيف سيكون ذلك؟ هي سيكون بحرب جديدة علي لبنان يستعيد فيها الجيش الإسرائيلي سمعته؟ أم أن سوريا يمكن أيضاً ان تكون الهدف؟

وتشيني يأتي والسياسة الأميركية تدفع الأوضاع في الأراضي الفلسطينية نحو الانفجار خاصة بعد طرح الخطة الأمنية الأميركية الجديدة. وأظن أن الأخطر لن يكون فقط في صدام محتمل جديد بين حماس وفتح، بل في صدام محتمل داخل كل من الحركتين.

وليس بعيداً عن ذلك ما يجري على الساحة اللبنانية التي يهددها الخطر الإسرائيلي وتساق عمداً إلى صدام داخلي لن تستطيع ذكريات الحرب الأهلية المريرة وحدها أن تمنعه. والأزمة في العراق تتفاقم، وحكومة المالكي لن تستمر، وواشنطن لن تستطيع الخروج من العراق إلا باتفاق مع إيران أو بعد معركة معها.

والإيرانيون يعرفون ذلك ولهذا لم يحدث اللقاء بين رايس ووزير الخارجية الإيراني في شرم الشيخ. لأن رايس تبحث عن حل الأزمة الأميركية في العراق فقط، وطهران تبحث عن صفقة تثبت فيها مكاسبها التي حققها لها غباء الإدارة الأميركية فأعطاها نفوذاً لم تكن تحلم به في المنطقة.

وسط هذا كله تغيب رايس، ويظهر تشيني. ولا أظن أن أحداً في العالم كله يتوهم انه قادم للبحث عن سلام مفقود أو عن عدل ضائع أو عن استقرار انهار بفضل السياسة الأميركية التي كان هو صانعها الحقيقي.. ومازال، انه يأتي بينما البيت الأبيض الأميركي يطالب الأميركيين بأن يصبروا وهم يشاهدون «خسائر بشرية أميركية فادحة في الشهور المقبلة»,

حيث سيكون هناك «اشتباك فعلي في أحياء أكثر صعوبة» في بغداد!! بينما تتخلى قيادات في الحزب الجمهوري عن دعمها غير المشروط للرئيس الأميركي وتطالب بتغييرات مهمة في الموقف على الأرض قبل سبتمبر في بغداد والمناطق الأخرى.. وإلا!!».

فهل جاء تشيني لتنظيم «الهروب إلى الخلف» والانسحاب من العراق، أم جاء لتدبير «الهروب إلى الأمام» بالدخول في مغامرة أكبر لعلها تنسي الأميركيين الكارثة التي حلت بهم بغزو العراق؟! وأين نحن من هذا كله.. وهل سنكتفي بدفع «الفواتير» من حاضرنا ومستقبلنا في الحالتين؟!.

نقيب الصحافيين المصريين