ما يبشر المرء بأن ظاهرة الاحتباس الحراري وما تشكله من خطر على مستقبل الإنسانية قد تجد لها طريقاً للحل هو ازدياد اهتمام «المواطن الأميركي العادي» بهذه الظاهرة واعتبارها مشكلة تؤثر على حياته الشخصية أولاً وعلى الأمن القومي لأمته ثانياً.
وأهمية «وعي المواطن الأميركي العادي» بتلك المشكلة العالمية هي أن بلده ـ الولايات المتحدة الأميركية ـ هي أكبر دولة تطلق مصانعها ومركباتها بأنواعها المختلفة غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب للاحتباس الحراري. والولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الوحيدة من منظومة الدول الغربية التي تقف بشراسة ضد اتفاقية كيوتو لخفض انبعاث ذلك الغاز.
وإذا كانت حكومة الولايات المتحدة الأميركية بقيادة جورج بوش الابن تقف ضد مثل تلك الاتفاقية بدعوى إنها تكلف الصناعة الأميركية مبالغ طائلة، فإن رياح التغيير تبدو إنها قادمة في الانتخابات الرئاسية التي هي على الأبواب.
وكانت نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس التي جرت مؤخراً دليلاً على توجهات جديدة يتبناها رجل الشارع الأميركي. والساسة الأميركيون الذين يرومون خوض غمار اللعبة الانتخابية يدركون جيداً قواعدها وأولها أن يسايروا التيار الشعبي ويركبوا موجته. والتيار الشعبي يبدي وعياً واهتماماً متزايدين بمشاكل البيئة وارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض.
فقد أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز سياسات البيئة وقوانينها التابع لجامعة ييل العريقة ونشرت ملخصه جريدة الكرستين سينس منيتور الأميركية الواسعة الانتشار (20/ 4) أن 83 بالمئة من الأميركيين يقولون إن ارتفاع درجة حرارة الأرض يمثل «مشكلة جدية» مقارنة بسبعين بالمئة في العام 2004.
وتمتلئ الندوات التي يقيمها المتخصصون في مجال البيئة وتجري فيها حوارات مكثفة يشارك فيها الجمهور، ويبدي الكثير منهم استعداده لتغيير نمط حياته في سبيل المحافظة على البيئة، حيث أظهر الاستطلاع أن 81 بالمئة يعتبرون أنه يقع على عاتقهم مسؤولية المساعدة في التخفيف من آثار الاحتباس الحراري.
فهاهي الطالبة شيلا سوليفان من جامعة فينكس بأريزونا تركن سيارتها الفولكس فاجن وتستخدم وسائط النقل العامة ما وسعها ذلك، وهي فضلاً عن ذلك قامت بتركيب مصابيح تستهلك القليل من الطاقة، وتنشر غسيلها في الهواء الطلق بدلاً من استخدام المنشفة الكهربائية،
وهي فوق هذا وذاك تقضى حوائجها ماشية بدلاً من استخدام البنزين. «أعتقد أن هذا لزام علينا جميعاً»، كما تقول. والنتيجة المهمة في استطلاع الرأي هذا أن 63 بالمئة يعتقدون بأن بلدهم أميركا هي في خطر من مشكلات البيئة كتلوث الهواء وارتفاع درجة الأرض كما هي في خطر من الإرهاب.
ويبدو أن هذا الشعور ليس شعور عامة الأميركيين وحدهم، بل أيضاً شعور أهل الرأي والباحثين. فقد نشر مجموعة من كبار العسكريين الأميركيين المتقاعدين تقريراً تحت عنوان: «الأمن القومي وتهديد التغير المناخي» تنبأوا فيه إلى أن التغيرات المناخية لها تأثير مدمر على المجتمعات النامية في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، مثل حدوث الجفاف،
أو انخفاض مناسيب الأنهار أو تغير في كمية هطول الأمطار ومواسمها، الأمر الذي يؤدي إلى إمكانية اندلاع حروب أو هجرات جماعية من منطقة إلى أخرى. ويرى التقرير بأن لا خوف على الولايات المتحدة بشكل مباشر، بيد أن تلك التغيرات وما تتبعها من أزمات قد تجر الولايات المتحدة إلي التدخل فيها وما ينتج عادة عن
مثل هذه التدخلات من هدر للأموال وإزهاق للأرواح، وبالتالي فإن التقرير يخلص إلى أنه مهما كانت تكاليف تطبيق إجراءات صارمة للمحافظة على البيئة باهظة الآن، فإنها بلا شك لا يمكن مقارنتها بتلك التكاليف التي ستتحملها الولايات المتحدة الأميركية حال حدوث مثل تلك الأزمات (نفس الجريدة بتاريخ 19/ 4).
إن الخوف من التغيرات المناخية قد أدى إلى حركة اجتماعية واسعة تدعو إلى إقامة مناطق خالية من السيارات، كما يقول بول وايت من منظمة وسائط نقل بديلة (نفس الجريدة بتاريخ 2/ 5). فقد اتخذت مدينة سان فرانسيسكو قراراً بإغلاق واحد من أكثر شوارعها ازدحاماً أمام السيارات وتخصيصه للسابلة
وراكبي الدراجات الهوائية كل يوم سبت من تاريخ السادس والعشرين من مايو إلي الثلاثين من سبتمبر من كل عام. وقد كان لقرار سان فرانسيسكو أثر كبير، إذ حذت 20 مدينة أميركية حذوها. وفكرة إغلاق الشوارع أمام السيارات وتخصيصها للمشاة وراكبي الدراجات اقتبسها الأميركان من الكولومبيين، الذين وضعوا برنامجاً في العام 1983 بالعاصمة بوغوتا أطلقوا عليه ciclovia (جادة للدراجات)
حيث خصصت بعض الشوارع والساحات في كل أحد للمشاة ولراكبي الدراجات وللاحتفالات وللتجمعات الاجتماعية وغيرها. وأصبح السيكلوفيا حالياً يستقطب مليوناً ونصف المليون كل يوم أحد. وتأخذ كثير من مدن أميركا اللاتينية بهذه الفكرة، وتخصص شوارع مهمة لهواة المشي وللنشاطات الاجتماعية الأخرى.
ولعل التشجير هو أحد الوسائل الأخرى التي بات الأميركيون يتخذونه لخفض مستويات تلوث الهواء والمساعدة في تقليل درجات الحرارة. فمدينة نيويورك قررت أن تزرع مليون شجرة بحلول العام 2017، وقال نائب محافظها، دان دكتوروف «إنه سيتم زرع شجرة في كل مكان متاح لزراعة شجرة في شوارع المدينة».
ونجاح نيويورك في التشجير ومن ثم تنقية هوائها سيكون مؤشراً للمدن الكبيرة، فنيويورك يسكنها أكثر من ثمانية ملايين، وبحسب السي أن أن (23/ 4) فإنها تنتج لوحدها حوالي واحد بالمئة من إجمالي ما تنتجه الولايات المتحدة من انبعاثات غازات الدفيئة،
وهي كمية تضعها في مصاف دول بأكملها مثل ايرلندا والبرتغال!! أما كمية ما أنتجته من تلك الغازات الدفيئة فقد فاق 58 مليون طن متري في العام 2005. وأخيراً نقول إن منطقتنا العربية الخليجية بالذات ليست بمنأى عن تلك التغيرات خصوصاً وأنها تشهد طفرة عمرانية غير مسبوقة، وبالتالي فالاهتمام بالزراعة وبالتخضير وباتخاذ تدابير التحكم بسلامة البيئة أمور حيوية.
ولعلنا أحوج ما نكون إلى زيادة الرقعة الزراعية والإكثار من غرس الأشجار في شوارعنا، فهي فضلاً عن دورها في تنقية الجو وامتصاص الغازات المنبعثة من العوادم، تضفي على مدننا رونقاً جمالياً وتقي من سعير شمسنا الحارقة وعلى وجه الخصوص في حالات التوقف الاضطرارية في صيفنا اللاهب.
وتستطيع دول الخليج العربي وتحديداً الكويت تعميم تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة في هذا الخصوص، حيث يلاحظ المرء مدى النجاح الذي حققته في بيئة لا تختلف عن بيئات الدول الخليجية الأخرى وبالذات الكويت. فهل نشهد في منطقتنا طفرة في التشجير والتخضير كما نشهد طفرة في البناء والتشييد؟؟ .
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com