هل يمكن فصم الاقتصاد عن السياسة أو السياسة عن الاقتصاد؟

هذه كانت من بين المسائل التي أثيرت بين تأييد واعتراض خلال المؤتمر الإعلامي بشأن الصحافة الاقتصادية في دولة الإمارات الذي نظمته صحيفة «البيان» في دبي نهاية الأسبوع الماضي. وفي تقديري أن هذه مسألة ليست بحاجة إلى جدل، لأن الشأن الاقتصادي والشأن السياسي هما في الحقيقة شيء واحد. فالسياسة هي الوجه الخارجي للاقتصاد.

انظر في الصراع الدولي في هذا العصر وتوقف عند أكبر ظاهرة اقتصادية.. وهي العولمة. جوهر العولمة هو تحرير التجارة العالمية من قيود الحواجز الجمركية والحماية الحكومية، بما يكفل التدفق الحر للسلع والخدمات عبر الحدود الدولية الجغرافية دون عوائق. ويدخل في هذا السياق حرية دخول وتنقل رؤوس الأموال.

والتبرير النظري لهذا التحرير هو أن إلغاء الحواجز يخلق مناخاً مثالياً لحرية التنافس على نطاق عالمي بما يؤدي إلى شيوع الازدهار الاقتصادي. فكلما اتسع نطاق التنافس الحر استفاد المستهلك العادي بالحصول على سلع وخدمات أجود بأسعار أرخص.

غير أن التطبيق العملي يلغي هذا التبرير النظري، بما يفضح الهدف الحقيقي من وراء العولمة الاقتصادية. فالعولمة هي في الحقيقة سلاح اقتصادي ابتدعته منظومة القوى الدولية الرأسمالية من أجل تشديد السيطرة السياسية على بلدان العالم الثالث.

إلغاء الحواجز سيفيد الشركات الأميركية الكبرى مثلاً في تسويق سلعها وخدماتها في سوق إفريقية ـ مثلاً بوركينا فاسو ـ لكن كيف يمكن لمؤسسات أو شركات إفريقية مماثلة أن تدخل في تنافس مفتوح مع الشركات الأميركية؟

نعم.. التنافس حر نظرياً، ولكن من يستفيد من هذه الحرية التنافسية سوى الأقوى؟

على غرار هذا المثال انظر في بؤر الصراع في الساحة الدولية لترى كيف توظف السياسة، ووسائلها الناعمة كالدبلوماسية، والخشنة كالحرب. خذ العراق كبؤرة حديثة. لقد تراوحت مبررات الغزو الأميركي من ادعاء امتلاك العراق أسلحة دمار شامل إلى تحويله لنموذج ديمقراطي شرق أوسطي..

بينما الهدف الحقيقي ذو طبيعة اقتصادية، فالهدف النهائي من الغزو الاحتلالي هو بالدرجة الأولى تحقيق سيطرة أميركية كاملة على صناعة النفط الوطنية العراقية بغرض التحكم في أسعار وإمدادات النفط في السوق العالمية.

خذ أيضاً قضية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي بعيد المدى هو أن تكون إسرائيل القوة الإقليمية العظمى المهيمنة في منطقة الشرق. وهو بالدرجة الأولى هدف اقتصادي.

إن إسرائيل تدرك أنها مهما تفوقت في قهر العرب عسكرياً وسياسياً فإن الغلبة التي ستتحقق لها لن تكون ذات طبيعة مستديمة. من هنا كان التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي بربط الاقتصاد الإسرائيلي بالأسواق العربية على أساس أن تكون إسرائيل القاطرة الاقتصادية للدول العربية.

وبعد.. أليس الاقتصاد هو السياسة والسياسة هي الاقتصاد؟