حين انطلق القمر الفضائي العربي عرب سات منذ سنوات معلناً دخول العرب عصر الفضاء التلفزيوني استبشرت ملايين في هذه الرقعة الجغرافية بأن يعوض الفضاء انكسارات الأرض، وأن ما خسرناه عبر قرون من أراضٍ وعلم ووعي وتنمية سنتمكن عبر الإعلام الفضائي من تعويضه بتفعيل هذا الإنجاز ووضعه في خدمة التنمية الإنسانية والبشرية، وصولاً لأفراد يمتلكون من الوعي والمعرفة والحرية الشيء الكثير، وخلال زمن سوف يختصره البث التلفزيوني الفضائي!
وكما ذهبت أحلام العرب في التحرر والحرية، وفي التنمية والتقدم، وفي الاستقرار والسلام واستعادة الحقوق المغتصبة أدراج الرياح، تبخر أيضاً الحلم الفضائي العربي، وأضيف الإعلام إلى سلسلة الانكسارات العربية الثقيلة. وبدل أن يلعب هذا الإعلام الدور التوعوي والتنويري وأن يقوم باستنهاض الوعي والهمم، دخل متاهة التفاهة والتسطيح، ولعب لفترة لا تنكر دوراً بارزاً، لكنه تراجع منذ سنوات عن هذا الدور مكتفياً بدور المهرج الذي يسلي المشاهدين بألعابه السحرية والمدهشة، تاركاً إياهم آخر الليل خالي الوفاض بلا فكرة يؤمنون بها، أو قضية ينتمون إليها.
صار بين معظم الإعلام الفضائي التلفزيوني وبين الجمهور علاقة ملتبسة وطفيلية ـ إلا بعضه النادر الذي نجا من المحرقة ـ صار الإعلام بقالة سوبر ماركت، يبيع الشامبو والمنظفات والشوربة وصبغات الشعر طيلة النهار، وما بين الشوربة وزجاجة الحليب هناك نشرة أخبار لا يشعر الناس بفداحة الدم المتفجر فيها عبر مساحات الوطن العربي، لأن هؤلاء الناس المشاهدين لهذه النشرة ما زالوا مخدرين بفعل تأثير أغنيات «الواوا» و«آه ونص»، كما إنهم ما زالوا بانتظارها مجدداً للخلاص من وجوه الفلسطينيين الذين يذكرون بالقتل والمآسي، والعراقيين الذين يقترنون بالدم والتفجيرات، واللبنانيين الذين لا سيرة لهم سوى المعارضة والموالاة، والصوماليين الذين.... والسودانيين.... و......
صار الإعلام العربي في نهاية الأمر جهاز فاكس أو وكالة أنباء دولية ينقل إلينا خبر قتلنا وقهرنا وسحقنا واستسلامنا ببساطة تامة، وكأن الأمر لا يعنيه ولا يعنينا، ثم يأتي من يغضب حين يصف البعض من الكتاب والغيورين هذا الإعلام بأنه سطحي وتافه وغير منتمٍ، لماذا الغضب أليست هذه هي الحقيقة؟ أين كل ما يروج له أصحاب هذا الإعلام بأن قنواتهم لصالح الإنسان العربي ومشروع التنمية لديه؟ أين قيم الأسرة العربية التي يدعي البعض تبنيهم لها، وهم يضربونها كل لحظة بالأفلام الأميركية والبرامج الغنائية المائعة، واللقاءات السمجة مع بعض أهل الفن والبرامج التي لا تغني ولا تسمن من جوع؟ أين حقوق الإنسان؟ حقوق الطفل؟ مشاريع الثقافة؟ مشاريع النهوض بالتعليم؟ برامج التوعية الصحية؟ برامج الحفاظ على البيئة؟ مكافحة الأمراض والأوبئة؟ مكافحة الجريمة؟ مكافحة الفساد؟ أين.. وأين.. وأين؟
الإعلام أو الفضائيات الهابطة، اختارت وأرادت أن تكون هكذا، وهذه لها جمهورها وهو حر في اختياره، لكن ماذا عن قنواتنا الفضائية الرسمية، التي تحظى بنسبة مشاهدة كبيرة، لماذا ولمصلحة من تصر على هذه النوعية التي لا تخدم بقدر ما تضر، وتبذّر الأموال بلا طائل!!
