أين تقف سورية اليوم؟.. سؤال يحتاج إلى عشرات الأجوبة، ويطرح بدوره مئات الأسئلة. لنعترف بداية بأن ما شهدته سورية خلال الأعوام القليلة الماضية ربّما كان أصعب ما واجهته منذ الاستقلال، بل منذ مطلع القرن العشرين الفائت. ‏ ولنعترف أيضاً، أن دولاً كبرى ما كانت لتستطيع مواجهة ظروف مشابهة للظروف التي مرّت بها سورية والخروج بأقل الخسائر. ‏

لا نريد التذكير بتلك الظروف وبحجم التحديات التي واجهتها سورية، بدءاً من العام 2001 عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وصولاً الى ما يجري في العراق وفلسطين ولبنان فكلّ ذلك بات معروفاً لدى العامّة قبل الساسة والمحلّلين والخبراء. ‏

حِملٌ ثقيل جداً حملته سورية طوال هذه السنوات، وعلى وجه الخصوص منذ عامين ونيّف، أي منذ اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، عندما وجّهت الاتهامات لسورية في اللحظة نفسها التي سقط فيها الحريري شهيداً، وقبل أن يُنقل جثمانه من مسرح الجريمة. ‏

لعلّها المرّة الأولى في التاريخ التي يصدر فيها حكم مبرم بجريمة ما بعد لحظات من وقوع الجريمة. ولن نفترض بمطلقي الاتهامات حسن النيّة، فليس من حسن النيّة توجيه الاتهام لدولة وشعب بشكل انتقائي مقصود وبمواقف مسبقة تستند إلى مخطط يهدف إلى النيل من سورية وليس مجرّد اغتيال شخص كالحريري. ‏

وإذا كنّا نعيد التذكير بهذا الحدَث الجلل وبتلك الاتهامات والبيانات التي أُعدّت قبل جريمة الاغتيال حكماً، فلأن هذه الجريمة أريد لها أن تكون شارة البدء للهجوم الكاسح على سورية بشكل خاص وعلى نهج المقاومة على وجه العموم لأنّ سورية وهذا النهج، يشكّلان العقبة الوحيدة في وجه المشروع الذي أعدّه المحافظون الجدد المؤمنون بالصهيونية والأساطير التلمودية أكثر من إيمان الإسرئيليين أنفسهم بها. ‏

الهجوم على سورية لم ينته بعد، على الرغم من التطوّرات الإيجابية التي حدثت على مدى الأشهر الماضية، فلاتزال المكابرة الأميركية موجودة، ولاتزال إدارة بوش وبعض الإدارات الغربية تسعى إلى الإيقاع بسورية في محاولة لإجبارها على «تغيير سلوكها»، ومن ثم تترجم هذه العبارة إلى: التخلي عن الثوابت السورية. ‏

لن نلجأ إلى الخطابة والمبالغات التي يمكن أن تُقال في مثل هذه الحالات، وسنكتفي بما هو واقع، وبشهادات عربية ودولية عدّة تؤكد أن سورية بقيادة الرئيس الأسد استطاعت بسياستها الهادئة وتعاملها العقلاني والمنطقي، أن تجتاز أكثر المحن صعوبة في تاريخها الحديث والمعاصر، وأن تتجنّب السقوط في المطبات التي وُضعت في طريقها، وأن تواجه الإعصار الذي ضرب المنطقة، وأن تتكيف مع المتغيرات الهائلة دون التخلّي عن السياسات الوطنية والقومية والمبادئ والثوابت. ‏

صحيح أن قيادة الرئيس الأسد لدفّة السفينة هي التي جعلت العالم يعترف بقدرة السياسة السورية على التعامل مع أخطر الأوضاع والظروف، لكن الصحيح أيضاً أن قرارات الرئيس الأسد وقيادته للسفينة السورية ليست قرارات ارتجالية وشخصية أو ردّات فعل سريعة على فعل ما، أو حالة طارئة أو مفاجئة، وإنّما هي مواقف وسياسات وخيارات شعبنا العربي السوري المنبثقة من إيمان لايتزعزع بالعروبة وبالهوية القومية وبالوطن الحرّ الكريم السيّد. ‏

أين تقف سورية اليوم؟ وما خيارات السوريين في عالم تعصف به الحروب التدميرية الهوجاء، والإرهاب والنزعات العنصرية ومحاولات القضاء على نهج المقاومة وإلغاء الآخر وتقسيم هذا العالم الى محورين لا ثالث لهما: محور الخير ومحور الشر؟ ‏

بإيمان وصدق نقول: إن سورية تقف على أرضية صلبة تجسّدها وحدة وطنية عزّ نظيرها في عالم اليوم المضطرب، وتنعم بإجواء من الأمن والأمان والتسامح في أرض التسامح والخير والسلام. ‏

أما خيارات السوريين، فنظن أنّها هي نفسها الخيارات الوطنية والقومية التي عبّر عنها الرئيس الأسد بإيجاز في خطابه المهم أمام مجلس الشعب، وهي الخيارات التي تتبنّى النهج الوطني القومي المقاوم، والتي تشكّل فكر وروح وعقل المواطن السوري المعتدّ بوطنه والعاشق له، والمفاخر بانتمائه القومي، والمدافع عن الأرض والحقوق والكرامة والسيادة بكل ما يملك. ‏

خيار السوريين عبّر عنه أيضاً مجلس الشعب وممثلو الشعب، وهو خيار سورية الحرّة السيدة القوية، سورية المستقبل الواعد، مع الرئيس الأسد الذي خرج من هذا الشعب العظيم الطيّب والذي لايزال مع هذا الشعب في كل المدن والقرى والأماكن، إنه الخيار الوطني والقومي: خيار القلب والعقل والمنطق. ‏